الخميس، 23 مارس 2023

أهلاً ومرحباً بقلم: د.أحمد عادل العازمي

ضيفٌ عزيزٌ كريمٌ عظيمٌ مباركٌ يحلُّ علينا في هذه الأيام، هذا الضيف لا يزورنا إلا مرةً واحدةً في كل عام، ولكنه إذا زارنا هلَّت معه الخيرات والرحمات والبركات من رب الأرض والسماوات، فهل استعددنا لاستقبال هذا الضيف الكريم؟ وماذا أعددنا له؟ وما الذي سنصنعه معه؟ وهل ستكون لزيارته لنا أثراً في حياتنا؟

جميعنا يعلم بأن شهر رمضان المبارك يعتبر من الشهور العظيمة عند الله سبحانه وتعالى، وصيامه من أركان الإسلام الخمسة المذكورة في قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان) [رواه البخاري ومسلم].

المؤمن يستبشر بقدوم هذا الشهر المبارك، ويُظهر فرحه بمقدمه {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: 58]، يفرح بقدوم هذا الشهر الفضيل لأنه يُعتبر موسماً عظيماً من مواسم الطاعات والخيرات والرحمات والبركات، وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يبشر الصحابة الكرام رضوان الله عليهم بقدوم هذا الشهر المبارك بقوله: (أتاكم رمضان شهرٌ مباركٌ، فرض الله عز وجل عليكم صيامه، تُفتَّحُ فيه أبواب السماء، وتُغلقُ فيه أبواب الجحيم، وتُغلُّ فيه مردة الشياطين، لله فيه ليلةٌ خيرٌ من ألف شهر، من حُرم خيرَها فقد حُرم) [رواه أحمد والنسائي].

وكان عليه الصلاة والسلام يذكر للصحابة الكرام رضوان الله عليهم فضائل رمضان، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا كانت أول ليلة من رمضان صُفِّدت الشياطين ومردة الجن، وغُلِّقت أبواب النار فلم يُفتح منها بابٌ، وفُتحت أبواب الجنة فلم يُغلق منها بابٌ، ونادى منادٍ يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك في كلِّ ليلة) [رواه الترمذي وابن ماجه].

رمضان هـلَّ بـوافـر الخيـرات ... يُهدي لـنـا الآمالَ والبـركات

يُحيي القلوب بهدي رب راحم ... ويـُمِدُّنا بالـنور والنفحات

شهرَ الفضائل جئتنا تجلو العنا ... بالحـب تـنعـشنـا وبالنسمـات

فـيـك الكتـاب تـنـزَّلت أنوارُه ... هـديـاً يضيء بمحكم الآيات

يستقبل المؤمن شهر رمضان المبارك بصدق التوبة والأوبة والإنابة إلى الله جل وعلا؛ وذلك حتى لا تكون هذه الذنوب والمعاصي حاجبةً للتوفيق له في إدراك الخيرات والرحمات والبركات في هذا الموسم العظيم {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}[التحريم:8].

يعقد المؤمن نيته على أن يرضي ربه غاية الرضا في هذا الشهر الفضيل، وذلك بأن يحقق الحكم التي من أجلها شرع الله تبارك وتعالى عبادة الصيام، والتي من أعظمها تحقيق تقوى الله جل وعلا، كما قال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183]، ويجتهد في الطاعات والأعمال الصالحات بنيةٍ صادقة يكون بها العون من الله سبحانه وتعالى للعبد {إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [الأنفال: 70].

يسأل المؤمن ربه إذا بلغه شهر رمضان المبارك بأن يُعينه على الطاعات والأعمال الصالحات، ويدعو كما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدعو : "اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحُسن عبادتك".

الثلاثاء، 11 أكتوبر 2022

" بيان " من د.أحمد عادل العازمي

 بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فقد انتشر في الآونة الأخيرة بعض البيانات المنسوبة إلى علماء ودعاة مملكة البحرين، وبغض النظر عن محتوى ومضمون هذه البيانات، وموافقتي أو عدم موافقتي لها، فإنه لا يجوز شرعاً ولا قانوناً وضع اسم أي شخص على أنه من الموقعين على بيانٍ معين إلا بعد اطلاعه عليه وموافقته على ذلك.

وما دعاني لكتابة هذا البيان هو ما رأيته من تساهل من بعض كتاب تلك البيانات وناشريها في وضع الأسماء ضمن الموقعين عليها، حيث تم وضع اسمي على بعض تلك البيانات مؤخراً رغم عدم قراءتي ولا اطلاعي عليها، وبناءً على ذلك فإني أُنكر توقيعي على تلك البيانات الصادرة مؤخراً، وأدعو كتاب تلك البيانات وناشريها إلى الصدق والأمانة، وتحري الدقة في وضع أسماء الموقعين عليها، واستشعار المسؤولية، لا سيما أن هذه البيانات لها تبعاتها، والله تبارك وتعالى يقول: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب:72].

هذا ما لزم بيانه، والله الموفِّق، وهو حسبي ونعم الوكيل، والله تعالى أعلى وأعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    كتبه

راجي عفو ربه

      د.أحمد عادل العازمي

 

الثلاثاء، 3 مايو 2022

شكراً سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء بقلم : د.أحمد عادل العازمي


منذ تولي صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء لمسؤولياته كرئيس لمجلس الوزراء بالإضافة للمسؤوليات الأخرى التي يقوم بها حفظه الله، ونحن نشهد تطوراً ملحوظاً في الجهاز التنفيذي للدولة، من إعادة هيكلة لبعض المؤسسات كوزارة التربية والتعليم على سبيل المثال، واستحداث مناصب جديدة كانت الدولة بحاجة إليها، واستفادةٍ من الكوادر الوطنية وتعيين عدد من أصحاب القدرة والكفاءة والعلم في مجال تخصصاتهم في مختلف مؤسسات الدولة، ودعمٍ ملحوظ من سموه للملف الإسكاني، وتسهيلٍ للعديد من الإجراءات والمعاملات التي يحتاجها المواطن والمقيم من خلال إنجازها عبر المنصات الإلكترونية، وغير ذلك من التحديثات والتطورات التي نشهدها منذ تولي سموه، والتي تأتي مما يتمتع به سموه حفظه الله من حس قيادي معهود، ورؤية حديثة في إدارة الجهاز التنفيذي للدولة، ومتابعة حثيثة لتنفيذ السياسات التي تم رسمها ووضعها بعناية ودقة عالية.

والجميع بات يُدرك بأن الدولة في ظل قيادة جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة حفظه الله وولي العهد رئيس مجلس الوزراء سمو الأمير سلمان بن حمد آل خليفة حفظه الله هي دولة عمل لا كسل، وأن أولئك الذين لا يُثبتون جدارتهم، وليس لديهم القدرة على العمل وفق ما تطمح إليه القيادة الكريمة فلا بد أن يتنحَّوا لإتاحة المجال لغيرهم في تحقيق ما تصبوا إليه القيادة الكريمة من تطور وتنمية وارتقاء بحال المواطن والوطن على جميع الأصعدة والمستويات .

التحديثات الجارية في الدولة والتي يقف وراءها سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء ليست أمراً عفوياً، ولا شيئاً طارئاً، ولا حدثاً عابراً، فسموه يعمل مع فريق من المختصين في مختلف المجالات التي تهم الدولة للارتقاء بها وبما يخدم المواطنين والمقيمين فيها وفق خطط مدروسة وعملٍ جاد دؤوب، وكل ما نشهده من تغييرات وتحديثات إنما تصب في هذا المجال والميدان.

وليس بغريبٍ على سموه ما أصدره من أوامر وتوجيهات مباشرة في شهر رمضان المبارك بشأن إطلاق خطة لتطوير الجوامع والمساجد في مختلف مناطق البحرين، وافتتاح وترميم وتأهيل عشرين مسجداً، واتخاذ الإجراءات اللازمة لسرعة البدء بتصميم وبناء اثني عشر مسجداً في مدينة سلمان، كل ذلك يأتي من اهتمام سموه بدور العبادة ورعايتها والقيام بشؤونها بما يكفل إقامة العبادة كما يريدها الله سبحانه وتعالى في هذه الجوامع والمساجد بكل راحة وسكينة وطمأنينة، وهو ما يُلقي بالمسؤولية الكبيرة والعظيمة على جهات تنفيذ أوامر سموه بكل جدية .

هذه الأوامر والتوجيهات السامية تعتبر من قبيل عمارة المساجد والبيوت التي أمر الله سبحانه وتعالى أن تُرفع ويُذكر فيها اسمه، وهي تنفيذٌ لما أمر الله تبارك وتعالى به عباده المؤمنين في كتابه الكريم حيث يقول جلَّ وعلا: {إنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ ۖ فَعَسَىٰ أُولَٰئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ}.

الثلاثاء، 28 ديسمبر 2021

الوشاية بقلم : د.أحمد العازمي

يُقال في اللغة: وشى به إلى السلطان ويشي ووِشايةً أي نمَّ عليه وسعى به، فالوشايةُ تحريضٌ لمنع حق من الوصول إلى صاحبه أو للإضرار بشخص ما، وقد تكون بصورةٍ مباشرة أو غير مباشرة، فلدينا هنا ثلاثة أطراف في الوشاية: الواشي ومن وُشي به وصاحب السلطة الذي يملك الولاية والقرار والنفوذ.

وهذه الوشاية قد تكون في مجال الأسرة أو العمل أو المجتمع أو الدعوة أو السياسة حيث المكائد والدسائس والمخططات والمؤامرات سواء على مستوى الأفراد أو الأحزاب والجماعات أو الدول والمنظمات .

في غالب الأمر يكون الواشي قريباً من صاحب الولاية أو السلطة أو المنصب، ويسعى لتنحية منافسيه بشتى الطرق والوسائل، وتراه يجتهد ويفكر ويدبر للفتك بخصومه ومخالفيه أو من يراه ويظن بأنه مهدداً لمكانته ومنزلته عند ذوي الولاية والسلطان والمنصب والنفوذ، فيسعى لإثارة صاحب الولاية والسلطة والنفوذ على فلانٍ من الناس ممن عُرف بالفضل والمكانة والمزِيَّةِ على غيره، لابساً في مكره وخديعته لباس الحمل الوديع وفي حقيقته الوحش الكاسر، مُظهراً النصيحة والشفقة، ومُضمراً الشر والخُبث، مُستعدياً بوشايته من كان قريباً من صاحب الولاية والسلطة والنفوذ، ومثيراً للفتنة بينهما، وفاتحاً باب شر على من يزعم النصيحة له، وقديماً قيل:

ومن يُطعِ الواشين لا يتركوا له .. صديقاً وإن كان الحبيب المقرَّبا

وعلى مر التاريخ لم يمرَّ زمانٌ ولم يخلُ مكانٌ من أصحاب الوِشايات، ممن غرتهم الحياة الدنيا، وعضوا عليها بالنواجذ، وكانوا مثالاً لمن باع أخراه بدنياه، والعجيب في هذا الأمر ليس في وجود أمثال هؤلاء في كل زمان ومكان، وإنما العجيب في الأمر أن بعضاً من هؤلاء ممن يُظهر التديُّن والصلاح، ومن المفروض أن يكونوا من أنقى الناس قلوباً، وأصفاهم سريرةً، وأكثرهم تقى وزهداً وورعاً، وكفاً عن أذى الآخرين! فهم الذين يتلون قول الله تبارك وتعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخواناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَٰبِلِينَ}، وقوله سبحانه وتعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}، وقوله جل وعلا: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}، وقوله عز وجل: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ ۚ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَٰٓئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْـُٔولًا}، وقوله سبحانه: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}، وهم الذين يروون قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تَحاسَدُوا، ولا تَباغَضُوا، ولا تَجَسَّسُوا، ولا تَحَسَّسُوا، ولا تَناجَشُوا، وكُونُوا عِبادَ اللهِ إخْوانًا)، وقوله عليه الصلاة والسلام: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل الجنة قتَّات)، وقوله صلوات ربي وسلامه عليه: (مثَلُ المؤمنين في تَوادّهِم وتَراحُمِهِم وتَعاطُفِهِم مَثَلُ الجَسَدِ إذا اشْتَكَى منه عُضْوٌ تَداعَى له سائِرُ الجَسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى)!

إن من نراهم اليوم يسعون للإضرار بإخوانهم ما هم إلا أحفاد أولئك الذين قاموا بالوِشاية بعلمائنا وفقهائنا ودعاتنا من قبل عند ذوي السلطان وأصحاب القرار والنفوذ، فقد سبق وأن وُشي كذباً وزوراً على الإمام أبي حنيفة النعمان والإمام مالك بن أنس والإمام محمد بن إدريس الشافعي والإمام أحمد بن حنبل والإمام البويطي وشيخ الإسلام ابن تيمية وسلطان العلماء العز بن عبدالسلام وغيرهم من الأئمة الأعلام الذين لم تزدهم الوشايةُ بهم إلا رفعةً وسمواً وعلواً بصبرهم ويقينهم بالله جل وعلا، وصدق فيهم قوله سبحانه: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ}، وكانوا بذلك رموزاً في الثبات على الدين والقيم والمبادئ، وأما أولئك ممن وشوا بهم فلا يذكرهم التاريخ إلا بالنقائص والمعايب والسوء.

لقد اتهموا أبو حنيفة ورموه بالشنائع، وزعموا بأنه يخالف أوامر الخليفة برفضه تولي القضاء، مما يعني أنه عصى ولي الأمر بل ولا يرى طاعةً له، وأنه من الخارجين على الإمام - كذباً وزوراً وبهتاناً - وحبسوه وضربوه على ذلك، مع أنَّ رفض تولي القضاء لا يعني بالضرورة مخالفة ولي الأمر ولا الخروج عليه ولا أياً من تلك الأقاويل التي زعموها وافتروها على الإمام ووشوا بها، ولكنها الوشاية في ثوبها الممزق وصورتها البشعة.

وجلدوا الإمام مالك بن أنس في فتواه بعدم وقوع طلاق المكره، حيث كانوا يأخذون البيعة من الناس بأيمان الطلاق، فكان يفتي بعدم وقوع طلاق المكره، وزعموا بذلك أنه يقول بجواز الخروج على الخليفة ويدعو إلى ذلك حتى جُلد على إثر هذا الأمر وهو إمام دار الهجرة ونجم العلماء!

وقد وُشي بالإمام الشافعي عند الخليفة هارون الرشيد وسُجن، وزُعم بأنه يُناصر معارضي الخليفة ويجوّز الخروج عليه -كذباً وزوراً-، وعُرض على السيف وكاد الخليفة أن يضرب عنقه لولا لطف الله وتسخيره الإمام محمد بن الحسن الشيباني للإمام الشافعي في مجلس الرشيد حيث انتصر له ورد عنه ما ادُّعي عليه كذباً وزوراً، وشهد له بالعلم والفضل.

ولا يخفى على أحدٍ أيضاً ما فُعل بالإمام أحمد في فتنة القول بخلق القرآن التي ابتدعها المعتزلة وامتحنوا الناس عليها، حيث سُجن وجُلد ومُنع من التدريس، كل ذلك بسبب وشايات لذوي السلطان والنفوذ والقرار التي لا يزال البعض يستمتع بممارستها!

كل تلك الوشايات ذهبت وذهب أصحابها، وقد سقطوا من أعين الناس، وأصبحوا جزءاً من الماضي، ولا يذكرهم التاريخ إلا بسوء فِعلتهم، وبات أولئك الأئمة العِظام أعلاماً للأمة، ومنارات للهدى والصلاح والرشاد إلى أن يرث الله سبحانه وتعالى الأرض ومن عليها، فهم أتباع الأنبياء والرسل بحق، وقد تحملوا الأمانة والمسؤولية في تعليم الناس والتبليغ عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، فنالهم بسبب ذلك بعضاً مما نال الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام من قبلهم {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ عَدُوّا شَيَٰطِينَ ٱلْإِنسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُورًا ۚ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ}.

أين حال أولئك الوُشاة من حال أولئك الأئمة الأعلام والدعاة الفضلاء ممن وُشي بهم، فقد كان الإمام أبو حنيفة النعمان -رحمه الله- من أكثر الناس صلاةً، وكان يحيي الليل صلاةً ودعاءً وتضرُّعاً، وكان أبعد ما يكون عن المحرمات، وكان مكتفياً في الجانب المالي، حيث كان تاجراً ولم يمد يديه لأعطيات السلاطين وأصحاب المناصب والنفوذ، وكان يتعاهد طلابه وتلاميذه ويساعد من كان محتاجاً منهم، وكان الإمام مالك بن أنس -رحمه الله- شغله الشاغل في بيته قراءة القرآن الكريم، وكان يطيل الركوع والسجود في صلاته بالليل، وكانت أكثر عباداته في السر، حيث لا يراه أحد، وإذا رأيته رأيت الخشوع والوقار والهيبة والخشية من الله جل وعلا في وجهه، وكان الإمام الشافعي -رحمه الله- يجزئ الليل أثلاثاً، ثلثاً يكتب، وثلثاً يصلي، وثلثاً ينام، وكان الإمام أحمد -رحمه الله- يختم القرآن كل سبعة أيام، وكان يُكثر الصيام وهو في السجن، وكان عفيفاً، رافضاً للأعطيات، وكانت مجالسه عامرةً بذكر الله والدار الآخرة، وأمثال هذه الأحوال لا يمكن أن يكون عليها أولئك الوشاة لا من قبل ولا من بعد، فحُقَّ لأولئك الأعلام أن يرفع الله ذكرهم في العالمين، وحُقَّ لأولئك الوشاة أن يمحو الله ذكرهم، ويُخفض منازلهم بين الناس، فهم الصغار مهما علت مناصبهم، ومهما كثرت أموالهم، ومهما وضعوا لأنفسهم من الألقاب.

إن بعضاً من أولئك الوشاة قد دارت عليهم الدوائر في الدنيا، وما كانوا لضعف إيمانهم ويقينهم يتصورون بأن الدوائر ستدور عليهم في يومٍ من الأيام، ولكنها سنة الله في خلقه {وَتِلْكَ ٱلْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ} ، وقد انتقم الله جل وعلا منهم في الدنيا، وما ينتظر من لم يتب منهم ومن لم يَغفر لهم ويعفوا عنهم من وشوا بهم وأوقعوا بهم الضرر أعظم عند الله، حتى قال الإمام مالك بن أنس -رحمه الله- في إحدى الروايات المروية في محنته عندما قيل له: إن جعفر بن سليمان قد ضرب فلاناً وحلق رأسه ولحيته وأقامه للناس، فقال مالك: وما تريدون به، أترون حظنا مما نزل به النظر إليه والشماتة به؟! إنا نؤمّل من ثواب الله ما هو أعظم من ذلك، ونؤمّل له من عذاب الله ما هو أشدُّ من ذلك.

فيا ويل كل أولئك الوشاة من الله وعقابه وعذابه، فهم الهمازون المشاؤون بنميم، مشعلوا الفتن ووقود النيران في الأرض، فكم خاضوا في الأعراض، واتهموا النيات، وكشفوا العورات، وانتقصوا أهل العلم والعقل والحكمة والمروءات، وكم أوغروا من صدور، وزرعوا من أحقاد، وفرَّقوا بين الأحباب، وكم قطَّعوا من أواصر، وبثوا من شرور في المجتمعات؟!

ولسان حال بعض من ابتُلي بالوشاية به من قبل بعض الأفراد أو الجماعات أو الأحزاب أو التيارات أو غيرهم: إنا والله نؤمّل من ثواب الله ما يرفع به درجاتنا عنده في الآخرة ونؤمّل لكم من عذاب الله ما يُذيقكم به بأسه ويقيم به عدله {كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَٰطِلَ ۚ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ}.

الجمعة، 5 نوفمبر 2021

الأطفال في الأسرة بقلم : د.أحمد العازمي

 

تعتبر الأسرة المؤسسة التربوية الأولى التي نشأت مع بداية خلق الإنسان بل وفي أحسن الأماكن وأطهرها وهي الجنة ، حيث خلق الله تبارك وتعالى آدم وحواء وكان الارتباط الوثيق ما بينهما ؛ ليكمل كلٌ منهما الآخر في هذه الحياة الدنيا وتبدأ حياة البشرية بذلك { وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ } ، وهو ما يدلنا على أهمية الأسرة في ديننا الإسلامي ، وضرورة الاعتناء بها، وتوفير البيئة المناسبة لها ؛ فالأسرة هي النواة الأولى للمجتمع ، والخلية واللَّبِنة الأساسية في تكوين البناء الاجتماعي ، وهي مصنع الأجيال ، والرجال العظماء ، والنساء الصالحات ، ففيها يتم وضع البذور الأولى في التنشئة والتربية ، وهي التي تقوم بتشكيل الملامح الأساسية لشخصية الإنسان ، وإكسابه القيم والمفاهيم والاتجاهات ، ونمط علاقته مع الآخرين ، وهي التي تقوم بتكوين اتجاهاته وميوله وفكره وثقافته وسلوكه في المجتمع ، ومن هنا قال النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه : ( كل مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ).

إعداد الطفل جسمياً وعقلياً ونفسياً وروحياً ووجدانياً واجتماعياً حتى يكون عضواً صالحاً ونافعاً لنفسه ومجتمعه وأمته هي المهمة الأساسية والأولى للأسرة ، وعمارة هذه الحياة الدنيا التي نعيش فيها لا يمكن أن تكون إلا بأفرادٍ صالحين يشعرون بالمسؤولية ، ويكونون قادرين على تحمل تبعاتها ، والنهوض بأوطانهم نحو التقدم والرقي والازدهار ، وهؤلاء الأفراد من الصعب أن ينشؤوا في ظل أسرٍ مضطربة ومتفككة ، ومن هنا ترى أن إبليس يحرص هو وأتباعه وأولياؤه من شياطين الإنس والجن على إفساد الأسرة وتفككها بشتى الطرق والوسائل ، وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ( إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه ، فأدناهم منه منزلةً أعظمهم فتنة ، يجيء أحدهم فيقول : فعلت كذا وكذا ، فيقول : ما صنعتَ شيئاً ، ثم يجيء أحدهم فيقول : ما تركته حتى فرَّقتُ بينه وبين امرأته ، قال : فيدنيه منه ويقول : نِعْمَ أنتَ ) يُثني عليه ويقربه منه إعجاباً بفعله وصنيعه .

إن المسؤولية التي تقع على عاتقنا اليوم في تربية أطفالنا مسؤولية كبيرة ، ولم يعد أمرها بالشيء الهين ، لا سيما مع الثورة الإعلامية الهائلة ووسائل التقنية والأجهزة الذكية التي باتت اليوم بيد كثير من الأطفال دون حسيب ولا رقيب ، حيث تساهم هذه الوسائل كلها - شئنا أم أبينا - في تنشئة الطفل وصياغة شخصيته وميوله واتجاهاته ونظرته للآخرين من حوله وكيفية تعامله معهم ، كل ذلك يجعل المسؤولية على الوالدين في الأسرة كبيرة ، فهل نكون فعلاً على قدر هذه المسؤولية أم نكون سبباً في ضياع أبنائنا ونشأتهم بشكلٍ غير سوي ؟!

الأربعاء، 6 أكتوبر 2021

كيف ندمر مجتمعاتنا ؟ بقلم : د.أحمد عادل العازمي

لم يعد خافٍ على أحد ما نعانيه في مجتمعاتنا الإسلامية من فُرقةٍ واختلافٍ وتشتت وضياع، ومكائد ودسائس ومؤامرات تُحاك هنا وهناك، مرات باسم التجارة، وتارة باسم التنمية، وأخرى باسم السياسة، وأحياناً باسم الدين وحماية الإسلام والدفاع عن قضايا المسلمين ومراعاة المصالح والمفاسد في ذلك -زعموا-، ولكن في النهاية كلها مكائد ودسائس ومؤامرات مع اختلاف المسميات واللباس والحجج والتبريرات التي يحاول البعض إقناع نفسه أو أتباعه أو جماعته وحزبه بها، وكل منهم يحسب أنه يُحسن صُنعاً ! ولو سألت أي واحدٍ من أولئك ما هي أفضل طريقة لتدمير المجتمعات وإفساد الأوطان وتضييع مصالح الأمة لما كان جوابه خارجاً عن أفعاله !

يكذب ويغتاب، ويبهت ويفتري، ويشي ويُراوغ، ويغش ويخادع، ويشهد بالباطل، ويُوقع الظلم على الآخرين، ويدمر مستقبل أناس ويتسلق على أكتافهم، ويأخذ ما لا يستحق، ويطلب ما كان لغيره، ويتلاعب بالمفاهيم والمصطلحات، ويقدح في الثوابت الشرعية، والمعتقدات المسلَّمة، والأحكام القاطعة، ويصمت صمت القبور عن المنكرات الظاهرة، وعن التلاعب بمصالح الناس ومعايشهم، ويتَّهم ويصنف ويُشنع على من يسعى فيما يكون به صلاح المجتمع والوطن وعزُّ الأمة ورفعتها ! كل ذلك في سبيل تحقيق مصالحه الشخصية والحزبية والدنيوية وإن أنكره وصرخ بأعلى صوته وحلف بالأيمان المغلَّظة بأنه لا يفعل ذلك إلا من أجل الدين والمجتمع وفي سبيل المصلحة العامة، وفي الحقيقة والواقع أن أفعاله كلها تصب في تدمير المجتمع وإفساد الوطن وتضييع مصالح الأمة .

كم ضيَّع أولئك من مصالح للمجتمع وللوطن وللأمة في سبيل تحقيق مصالحهم الشخصية والحزبية والدنيوية ؟! وكم همَّشوا من كفاءات كان من الممكن الاستفادة منها في نفع المجتمع وبناء الوطن ونهضة الأمة ؟! كل ذلك ضُيع من أجل مصالح شخصية وحزبية ودنيوية !

مفاسد عديدة تم جلبها للمجتمع والوطن والأمة بسبب تقديم المصالح الشخصية والحزبية والدنيوية على مصالح المجتمع والوطن والأمة، حقوقٌ هُدرت، ومظالم وقعت، وخصومات ونزاعات وعداوات نشأت في مجتمعاتنا بسبب تقديم هذه المصالح الشخصية والحزبية والدنيوية، وقد استغل أعداء الأمة كل ذلك بل وغذوه وأمدوه بكل ما من شأنه أن يزيد من إثارته وشراسته وضراوته واشتعاله؛ حتى تكون السيادة والتفوق والعلو لهم في هذه الحياة الدنيا، وقد تناسى كل أولئك قول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: {وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} وقوله: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} .

أنَّى لمن انغمس في هذه الحياة الدنيا وشهواتها وملذاتها وذاق حلاوتها وربط مصالحه الشخصية بها أن يعي ما أقوله جيداً؛ فقد فتحت لهم الدنيا ذراعيها، وأقبلوا عليها إقبال الملهوف، وأكلوا من مائدتها أكل الجائع الشَّرِه، واعتادوا على العيش في ظل بساتينها وخُضرتها، وتنافسوا على تولي المناصب فيها بطرق لا يمكن أن تُقبل في الشريعة الإسلامية التي يُتاجر باسمها اليوم ويُتكسَّب من ورائها !

كل تلك الأقنعة التي لُبست في سبيل تحقيق المصالح الشخصية والحزبية والطائفية بدأت تتساقط اليوم، ولم تعد مجتمعاتنا الإسلامية تنخدع بتلك الأقنعة بدليل أنها قد أسقطت في الانتخابات النيابية في عدد من البلدان أولئك الذين استغلوا الدين استغلالاً بشعاً من أجل تحقيق مصالحهم الشخصية والحزبية والطائفية ونيل تلك المناصب الدنيوية مع أنهم كانوا في يومٍ من الأيام يرفعون راية "الدين" و"الإصلاح" و"العدالة"، ويزعمون بأن دخولهم في تلك الانتخابات لم يكن من أجل أمور دنيوية، ولكن أفعالهم كلها كانت تناقض أقوالهم وتتجه بخلاف ما زُعم، فقد استغل الكثير منهم مناصبهم في سبيل تحقيق مصالحهم الشخصية والحزبية والطائفية، وضربوا بعرض الحائط مصالح المجتمع والوطن والأمة، وبذلك كانوا سبباً في تراجع الأوضاع في مجتمعاتنا وأوطاننا، وصدق فيهم وفي أمثالهم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تُبسط عليكم الدنيا كما بُسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتُهلِكَكُم كما أهلكتهم) .

أخيراً أقول: حُقَّ على كل من وقع في تقديم مصالحه الشخصية والحزبية والطائفية والدنيوية على بني قومه ومجتمعه ووطنه وأمته أن يُراجع ويُحاسب نفسه قبل أن يقف بين يدي الخالق جل وعلا للسؤال والحساب، فوالله إن هذه الدنيا لا تعدل عند الله جناح بعوضة كما جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء)، كما أنها زائلة وفانية بكل ما فيها، وهي دار ممر لا دار مستقر كما قال الله جل وعلا: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}، وقال سبحانه: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} .

يا رب أحسن نياتنا ومقاصدنا وأقوالنا وأعمالنا .

السبت، 31 أكتوبر 2020

رسولُ رب العالمين بقلم : د.أحمد العازمي

إن مما امتن الله تبارك وتعالى به على البشرية جمعاء أن أرسل لها خير رسله وخاتم أنبيائه محمد بن عبدالله صلى الله عليه وآله وسلم شاهداً ومبشراً ونذيراً ، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً ، كما قال الله تعالى : { هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ } [ الجمعة : 2 ] ، وقد اصطفى الله جل وعلا نبيه محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ليكون نبياً ورسولاً كما اختار من كان قبله من الأنبياء والرسل { اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ } [الحج : 75]، وقد جاء بالمعجزات والبراهين الدالة على صدق نبوته ورسالته ، وكان أعظمها القرآن الكريم الذي جاء مصدقاً لما قبله من الكتب السماوية ، حيث قال الله تعالى : { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ۚ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } [ المائدة : 48 ] ، وكانت دعوته عليه الصلاة والسلام قائمة على الإقناع بمضامين الرسالة لا الإكراه عليها ، انطلاقاً من قول الله جل وعلا : { لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } [البقرة: 256].

لقد أوجب الله سبحانه وتعالى على عباده الإيمان بجميع الأنبياء والرسل السابقين وعدم التفريق بين أحدٍ من أنبيائه ورسله في الإيمان والتصديق به فقال : { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ } [البقرة: 285] ، وجعل الكفر بنيٍّ من الأنبياء كفر بهم جميعاً فقال : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا (150) أُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا } [ النساء : 150 – 151 ] ، وحرَّم السخرية والاستهزاء بالأنبياء والمرسلين وعدَّ ذلك من الكفر بالله سبحانه وتعالى ومما يوجب عقابه الشديد وعذابه الأليم فقال : { وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } [ الأنعام : 10 ] ، وقد حذرنا سبحانه من اتخاذ أولئك الذين اتخذوا ديننا لهواً ولعباً أولياء فقال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } [ المائدة : 57 ] .

ولقد ساء كل مسلم ما تم نشره ببعض الصحف والمجلات الفرنسية من صورٍ مسيئةٍ للإسلام ولنبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وما تبع ذلك من تصريحات رسمية في فرنسا مؤيدة لتلك الصور المسيئة للدين الإسلامي ولنبي من أنبياء الله ورسله بحجة حرية الرأي والتعبير ، ظانين بأن مثل هذه الحجة يمكن أن تمنع أكثر من مليار وثمان مائة مليون مسلم من وجوب نصرة النبي عليه الصلاة والسلام ! ويريدون بذلك أن يستمروا بالإساءة والسخرية والاستهزاء وأن تتقبل الأمة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها كل ذلك بصدر رحب وهي تقرأ قول الله تعالى في وجوب اتباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتعظيمه ونصرته والدفاع عنه : { لِّتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا } [ الفتح : 9 ] وقوله سبحانه : {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 157]!

لا بد أن يعلم القادة السياسيين في فرنسا بأن الإساءة والاستهزاء والسخرية بالآخرين لا يمكن أن تكون في يومٍ من الأيام من قبيل حرية الرأي والتعبير ، وأن القوانين في الدول المدنية اليوم تجرِّم الإساءة والسخرية والاستهزاء بالآخرين، وهو ما لا يقبله حتى من دافع عن مثل هذه الإساءات على نفسه ، ولا يمكن أن توصف تلك الإساءات وتلك السخرية والاستهزاء إلا بقلة الوعي لخطورة ما تم الإقدام عليه ؛ وذلك أن كل عاقل لا يمكن أن يستفز الآخرين بالإساءة إليهم ثم لا يريد منهم أن يكون لهم أي ردة على فعل على استفزازهم والإساءة إليهم ، كما أن تلك الأقوال والأفعال الشنيعة تعتبر من قبيل الإساءة للأديان الأخرى، والتعدي على حريات الآخرين في المعتقد ، ولا يعبر عن روح التسامح مع أتباع الديانات الأخرى ، وهو مما يثير الكراهية والبغضاء بين أصحاب الديانات المختلفة في البلد الواحد ، ويضرب الأمن والسلم المجتمعي في مقتل ، وكل ذلك مما لا ترغب به أي دولة تدرك مصالحها وأهمية أمنها الوطني والقومي .

إننا اليوم كمسلمين ودعاةٍ إلى الله وأصحاب أقلام تدافع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذ نستنكر أشد الاستنكار تلك الإساءات المتكررة بحق الإسلام والنبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم ، وما يُمارس بحق المسلمين من انتهاكات في فرنسا وغيرها لنحذر في الوقت ذاته من أي تصرف فردي خاطئ من شأنه أن يضر بمصالح الإسلام والمسلمين ، وعلى من كان لديه غيرة على الدين وعلى مقام النبوة أن يسلك الوسائل المشروعة في دفاعه عن الإسلام وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، كما أنه يجب على كافة الدول والمنظمات والهيئات والجمعيات الإسلامية اتخاذ خطوات عملية لمنع مثل تلك الإساءات وما يتعرض له المسلمون من مضايقات واعتداءات بسبب دينهم ، والتعاون في سبيل الحفاظ على حقوق المسلمين وممارستهم لشعائرهم الدينية دون انتقاص من شأنهم ولا اعتداءٍ عليهم .

لا بد على الإخوة الإعلاميين والكتاب والمفكرين والمثقفين وأصحاب الأموال من تجار المسلمين أن يكون لهم دورٌ اليوم قبل الغد في الدفاع عن الدين الإسلامي ونيل شرف نصرة النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم ، وأن يكون لديهم خطة استراتيجية مدروسة بعناية من أجل ذلك ، متعاونين في سبيل تحقيق هذه الغاية النبيلة مع إخوانهم من الدعاة إلى الله جل وعلا والمؤسسات الإسلامية الفاعلة في بلدانهم وخارج بلدناهم .

مطلوبٌ من عموم المسلمين في حياتهم كلها حسن الاتباع للنبي عليه الصلاة والسلام ، والعمل على التعريف به وبما جاء به من الوحي الإلهي ، ونشر سنته ، والعمل بها في واقع حياتهم ، وتربية أبنائهم وبناتهم على محبة النبي صلوات الله وسلامه عليه ، مترجمين بذلك صدق محبتهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى واقع عملي ، وبهذا يتم تحقيق قول النبي عليه الصلاة والسلام : ( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين )، ونُدرك بذلك حلاوة الإيمان التي قال في شأنها النبي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم : ( ثلاثٌ من كنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما ، وأن يُحبَّ المرء لا يحبه إلا لله ، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُقذف في النار ) .

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يُعيننا على حسن اتباع النبي عليه الصلاة والسلام ونيل شرف الدفاع عنه ونصرته، كما أسأله جل وعلا أن يوفق كل من عمل على نصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا سيما تلك الشعوب الإسلامية التي ثارت لديها الحمية لنصرة النبي عليه الصلاة والسلام بما تملكه من إمكانيات وقدرات أثبتت تأثيرها على أرض الواقع { إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [ التوبة : 40 ] .