الثلاثاء، 16 مايو 2017

مخابراتٌ في مجلس وزيرٍ سابق ! بقلم : أحمد العازمي

كان رجاء بن حيوة رحمه الله وزيراً ومستشاراً عند عدد من خلفاء بني أمية ، وكان كبير المنزلة عندهم ورفيع الشأن حتى تم إبعاده والاستغناء عن خدماته بعد وفاة عمر بن عبدالعزيز رحمه الله ؛ وذلك أنه كان سبباً في تولية عمر الخلافة من بعد سليمان بن عبدالملك وتقديمه على غيره من بني أمية إضافة إلى جملة من أعماله ومشوراته التي لم تكن محل الرضى من قبل العديد من أمراء بني أمية الظلمة .
لم يضر رجاء بن حيوة إبعاده وإقصاؤه عن مواطن صنع القرار ؛ وذلك أنه كان أحد العلماء العاملين بعلمهم الذين لم يزدهم قربهم من الخلفاء إلا رفعةً ومنزلةً ومحبةً في قلوب الناس ، ولهذا لما تم إعفاؤه من منصبه عاد ليكون مع بقية الناس الذين كانوا محبين له عالماً ووزيراً ، وأقبل على التعليم والتدريس ، ولم ينشغل أبداً في الانتقام لنفسه ، ولا بالمكائد والمؤامرات ضد السلطة الحاكمة ، ولم يؤسس حزباً ولا جماعةً يكون همُّها وهدفها إسقاط الدولة أو إفشالها ، وهذا هو الفرق بين الوزير الصادق الأمين الذي ينتمي لهذه الأمة ، ويعمل لمصلحتها ، ولما فيه رفعة شأنها ، وبين وزيرٍ خائنٍ للأمانة ومضيعٍ لها ، ولاؤه لدولٍ أجنبية تسعى لتفريق هذه الأمة وإضعافها .
إن محبة الناس لرجاء بن حيوة وشعبيته وما وضع الله له من القبول بينهم جعلت من قام بإبعاده يخشى منه لا سيما أنهم قد رأوا من حكمته وحنكته السياسية ما أبهرهم به أثناء توليه الوزارة ، وقد اجتمعت تلك الخشية منه مع عداوتهم له وحقدهم عليه ؛ وذلك أنه رحمه الله كان واقفاً مع الخليفة عمر بن عبدالعزيز رحمه لله في رد المظالم إلى أهلها ، وانتزاع ما في أيدي أولئك الأمراء الظلمة مما أخذوه واستولوا عليه بغير وجه حق ، فجاء الوقت للانتقام بوجهة نظرهم .
عيَّن الخليفة هشام بن عبد الملك شخصاً خاصاً يعمل عمل المخابرات بمراقبة الوزير السابق رجاء بن حيوة، فيحضر مجالسه ، ويكتب تقاريره ، ومن ثم يرفعها إليه ، فأدرك ذلك الشخص المهمة الموكلة إليه ، وبدأ العمل بما وكِّل به ، وكان يحاول الإيقاع برجاء ومصادمته مع الخليفة هشام ؛ حتى يرفع تقريراً يرضى به عنه ، ويرتقي عن طريقه في عمله على كتف رجاء إلا أن رجاء كان واعياً لتلك المكائد التي تُكاد له ، وكان أشد ذكاءً من ذلك الذي تم تعيينه كعنصرٍ " مخابراتي " عليه ، يعمل على مراقبته، ورفع التقارير عنه ليل نهار ، فقلب الطاولة عليه ، وأبان عن ضعفه ، وأوقعه في شرِّ شباكه ومكائده في حادثةٍ سجلها التاريخ.
كان رجاء جالساً في أحد المجالس التي يتذاكر فيها مع إخوانه ومحبيه وطلابه العلم ، ويذكِّر فيها بالله تعالى، فتذاكروا شكر نعم المولى جلَّ وعلا ، وكان مما قال : ( ما أحدٌ يقوم بشكر نعمة ) يريد أن يبين لهم بذلك أنه مهما حاولوا شكر نعم الله تعالى فإنهم لن يقدروا على إيفاء ذلك والقيام به حق القيام ؛ وذلك أن نعمه سبحانه كثيرةٌ لا تُحصى ، فما كان من ذلك الرجل المعيَّن لمراقبة رجاء – وقد كان على رأسه كساء – إلا أن يرفع الكساء من على رأسه ويقول : (ولا أمير المؤمنين ؟) ، فعجب من كان حاضراً المجلس من هذا الرجل ومن مقولته ، فقال له رجاء : ( وما ذِكْرُ أمير المؤمنين هنا ؟! وإنما هو رجلٌ من الناس ) ، يريد أن يقول له : ما مقصدك من هذا السؤال ؟! وما علاقة الخليفة بما نتذاكره ونتدارسه ؟! وعلامَ إقحام ذكره في المجلس ؟! ، ومكث ذلك الرجل برهةً حتى يغفل الناس عنه ثم خرج ، فالتفت رجاء نحوه فلم يره ، فقال : ( أُتيتُم من صاحب الكساء ، فإن دُعيتم فاستُحلفتُم فاحلفوا ) ، علم رحمه الله أن ذلك الرجل ذهب ليرفع تقريراً إلى الخليفة يتهمه فيه بانتقاص الخليفة والإساءة إليه !
وبينما هم جلوسٌ إذ جاء أحد حرس الخلافة إلى رجاء ؛ ليبلغه بأن الخليفة قد أمر بإحضاره ، وأن عليه مرافقته إلى مجلس الخليفة ، فذهب رجاء مع الحارس إلى الخليفة هشام بن عبدالملك ودخل عليه ، فقال له هشام : ( هيه يا رجاء ، يُذكر أمير المؤمنين فلا تحتجُّ له ؟! ) ، فسأله رجاء : (وما ذاك يا أمير المؤمنين ؟)، فذكر له هشام ما حدث في المجلس ، فقال رجاء : ( لم يكن ذلك ) ، فاستغرب هشام من إنكار رجاء والتقرير المرفوع إليه يُثبت خلاف ذلك مع علم ويقين هشام بأن رجاء لا يمكن أن يكذب – وقد كان إنكاره رحمه الله لتهمة الانتقاص من شأن الخليفة والإساءة إليه - ، فاستحلفه وقال : ( آ الله ؟ ) قال : ( آ الله ) ، فما كان من هشام إلا أن يستشيط غضباً ، ويأمر بذلك الرجل الساعي أن يُضرب سبعين سوطاً ، يقول رجاء : ( فخرجت وهو متلوثٌ بدمه ) .
إنكار رجاء بن حيوة لما طرحه عليه الخليفة وعدم إقراره به أثار استغراب ذلك الرجل " المخابراتي " صاحب الكساء ، فقال لرجاء : ( هذا وأنت رجاء بن حيوة ! ) فقال له : ( سبعين سوطاً في ظهرك خيرٌ من دمِ مؤمن ) ، وكان رجاء بعد ذلك إذا جلس في مجلسٍ يتلفَّت ويقول : ( احذروا صاحب الكساء ) .

الاثنين، 8 مايو 2017

الوزير العادل والمستشار المؤتمن بقلم : أحمد العازمي

كان رحمه الله كبير المنزلة وعظيم الشأن عند عدد من خلفاء بني أمية كعبدالملك بن مروان ، وسليمان بن عبدالملك ، وعمر بن عبدالعزيز ، وقد أجرى الله تعالى على يديه – كما ذكر الإمام الذهبي في سيرته – الخيرات ؛ وذلك أنه كان من أولئك الوزراء المخلصين والمستشارين المؤتمنين الذين إذا نسي الخليفة ذكَّروه ، وإذا ذكر أعانوه ، وكان ينظر إلى الأمور نظر العالم البصير الذي يدرك العواقب والمآلات .
لم يكن قربه من الخلفاء من أجل حُطام الدنيا ومتاعها ، ولا لنيل المكاسب الشخصية الآنية ، وإنما كان لإحقاق الحق، ورفع المظالم ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وبذل النصح ، والمشورة الصادقة .. فلا هو ذاك الوزير الذي يسعى لقضاء حوائجه ، ولا ذاك المستشار الذي يقدم أمره الخاص على أمر العامة .
لم تغلبه نفسه طوال خدمته مع الخلفاء في التعدي على بيت مال المسلمين ، ولا أخذ تلك الرشاوى التي  يقدمها من يقدمها من أجل ذكرهم عند الخلفاء ، ولم يُعلم عنه أنه استغلَّ منصبه مرةً من المرات في تقديم من لا يستحق وإعطائه ما لا يستحق ، وكيف يفعل ذلك من كانت المصلحة العليا للدولة ولعموم المسلمين هي همُّه وشغله الشاغل في ليله ونهاره ؟!
مشوراته كلها كانت فيما به مصلحة المسلمين ، ولم يكن كأولئك الوزراء والمستشارين الذين يقدمون المشورات بناءً على ما يُحب ويرغب الخليفة ، وإنما كانت الغاية والهدف أسمى من ذلك بكثير ، وليس ذلك بغريب عندما يوسد الأمر إلى أهله ، ويكون صاحب الكفاءة الأمين هو الوزير والمستشار .
ذاك الذي أتحدث عنه هو العالم الفقيه الثقة الإمام القدوة والوزير العادل والمستشار المؤتمن رجاء بن حيوة الذي كان يعلم علم اليقين أن الدنيا وما فيها من مناصب كلها زائلة ، وأن الدار الآخرة وما فيها هي الباقية ، فكيف يقدم العاقل ما هو زائل على ما هو باقٍ ؟!
كان رحمه الله يوماً عند الخليفة عبدالملك بن مروان ، وقد ذُكر عنده شخص بسوء ، فأخذ عبدالملك يهدد ويتوعد ويقول : ( واللـه لئن أمكنني اللـه منه لأفعلن به ولأصنعن ) ، فلما أمكنه اللـه منه همَّ بإيقاع الأذى به ومعاقبته ، فما كان من الوزير العادل والمستشار المؤتمن رجاء بن حيوة إلا أن يقوم ناصحاً ويقول: ( يا أمير المؤمنين قد صنع اللـه لك ما أحببت فاصنع ما يحب اللـه من العفو ) ، فوقعت تلك النصيحة الصادقة في قلب عبدالملك ، وما كان قراره إلا العفو عن ذلك الرجل والإحسان إليه .
وقد كانت من أعظم المشورات التي أشار بها رجاء بن حيوة رحمه الله على الخليفة سليمان بن عبدالملك رحمه الله قبل وفاته - وقد نفع الله بتلك المشورة الأمة أيما نفعٍ - هي مشورته عليه عندما مرض بتولية عمر بن عبدالعزيز خليفةً على المسلمين من بعده عندما سأله سليمان : من ترى لهذا الأمر ؟ فأجابه مذكراً له بالله تعالى : ( اتق الله ، فإنك قادمٌ على الله تعالى ، وسائلك عن هذا الأمر وما صنعت فيه ) ثم أشار عليه بتولية عمر بعد حوارٍ دار بينهما ، فما كان من الخليفة المقبل على ربه إلا أن يتذكر وقوفه أمام الله جل وعلا ، وسؤاله إياه عن هذه الأمة ، وعمَّن ولاها أمرها من بعده ، فيستجيب لتلك المشورة الصادقة ، ويولي من بعده عمر بن عبدالعزيز خليفةً على المسلمين ، وقد كانت تلك المشورة سبباً في إبعاد الوزير والمستشار رجاء بعد وفاة عمر بن عبدالعزيز ومعاداة العديد من أمراء بني أمية له .
خرج رجاء بن حيوة من الوزارة وخلع ثوب المستشار بعد وفاة الخليفة الراشد عمر بن عبدالعزيز رحمه الله، وتم إبعاده عن مواطن صنع القرار ، ولكنه لم يخرج إلا بسيرته الطيبة ، وأمانته المعهودة ، ومبادئه الراسخة، وعمله النبيل ، ومشوراته الصادقة ، وتاريخه الناصع ، فلم يشارك في قرارٍ جائرٍ تُظلم فيه الرعية، ولا في مشورةٍ يكون بها إعطاء من لا يستحق ما لا يستحق ، وكان مثالاً للوزير العادل الصادق الأمين الذي يُفتخر بذكره وبيان مناقبه وفضائله ومآثره ، وحُقَّ لأمير السرايا مسلمة بن عبدالملك أن يقول: ( برجاء بن حيوة وبأمثاله نُنصر ) .

الخميس، 16 مارس 2017

آهٍ ثمَّ آه بقلم : أحمد العازمي

قبل ذهابي للدراسة بجامعة الكويت في مرحلة البكالوريوس نصحني أحد المشايخ الفضلاء في البحرين بقراءة أحد الكتب التي اهتمت ببيان آداب طلب العلم ، وذكر لي بأن مؤلف هذا الكتاب أحد الأساتذة الذين يدرِّسون بالجامعة ، وفعلاً حرصت على قراءة ذلك الكتاب من أوله إلى آخره ، وقد استفدت كثيراً من تلك الآداب التي ذكرها المؤلف في طلب العلم حيث أن كثيراً منها عبارة عن نقولات عن السلف الصالح في ذلك.
وعندما ذهبت للدراسة بالكويت حرصت على رؤية ذلك المؤلف ، وسألت عنه بالكلية ، وأرشدني أحد الأساتذة إلى مكان مكتبه ، فأسرعت الخطى، وكلي شوق لرؤيته ، والسلام عليه ، فوصلت إلى باب مكتبه ، وكان ذلك في الساعة الثامنة إلا ربع صباحاً تقريباً ، فطرقت الباب ، وألقيت عليه التحية تحية الإسلام فقلت : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وإذ بي أفاجأ بذلك الأستاذ يصرخ بوجهي دون حتى أن يرد عليَّ السلام قائلاً : نعم ، ماذا تريد؟ والله عندي محاضرة بعد قليل ؟ يا أخي ماذا تريد ؟ بصوتٍ عالٍ جداً ، فوقفت عندها مذهولاً من ذلك الموقف ، وقد انعقد لساني ، فلم أستطع حتى أن أرد عليه بشيء ، فلما رآني كذلك خفف من نبرته ، ولكنه لم يخفف من جفوته وشدته ، فقال : نعم ماذا تريد ؟ قلت : لا شيء ، فقال : هل أنت طالب عندي ؟ قلت : لا، شكراً ، وخرجت .
وبعد عدة فصول اضطررت لأخذ أحد المقررات الدراسية عند ذلك الدكتور ، ولم أستفد في الحقيقة أي فائدة منه رغم حصولي على درجة الامتياز في المقرر ؛ وذلك أنه كان منشغلاً طوال المحاضرات في الكلام حول الأحزاب والجماعات ، وانتقاد فلان وعلان ، والحديث عن سفراته الخاصة ، ونزهاته البرية ، وما يأكله وما لا يأكله ! مضيِّعاً بذلك أوقات المحاضرة فيما لا فائدة منه ! ولا أقول ذلك مبالغة ، فمن أخذ معي من الإخوة ذلك المقرر يذكر ذلك جيداً .
لقد كان ذلك الموقف من أشد المواقف التي مرت عليَّ في مرحلة البكالوريوس ، وقد استمرَّ أثره في قلبي عدة أيام، والسبب أن من كنت في شوقٍ إلى لقائه بعد قراءتي لكتابه قد خالف أهم المبادئ التي أخذ بالتأصيل لها والتأكيد عليها في مؤلَّفِهِ الذي يتحدث فيه عما يجب وينبغي أن يكون عليه طالب العلم من الأخلاق الفاضلة ، فأين هي تلك الأصول والمبادئ والأخلاق التي ذكرها فضيلة الدكتور ؟!
ومع مرور الأيام والشهور والسنوات صدمت أكثر بالواقع الذي نعيشه ؛ فقد رأيت العديد من أولئك الذين يؤصلون للمبادئ والقيم هم أول من يخالفها في ممارساتهم العملية في الحياة ، منتهى التناقض بين أقوالهم وأفعالهم ، تراه يحدث عن الصدق وهو أكذب الكاذبين ، يذكر أن من صفات المنافقين إخلاف الوعد وهو لا يلتزم بأي وعدٍ يقطعه على نفسه تجاه الآخرين ، يتحدث عن خشية الله ومخافة الله وهو أول من ينتهك محارم الله ، يأمر بالعدل ولا يأتيه ، وينهى عن الظلم ويقع فيه ، يدعو إلى الأمانة ولا يقوم بها ، ويحذر من الخيانة وهو رأسٌ بين أصحابها ، يحث الناس على أداء الحقوق إلى أصحابها وهو أول من يمنعها ويجحد الآخرين حقوقهم ، ينبِّه بحق المسلم على أخيه المسلم وهو ينتهك تلك الحقوق في كل يوم بل في كل ساعة بل في كل لحظة ، يخاطب الناس آمراً لهم بالوحدة والاجتماع ونبذ الفرقة والاختلاف وهو من يعمل ليل نهار في تفكيك وحدة الأمة واجتماع كلمتها وبث روح الكراهية والعداوة والبغضاء بين أبناء المسلمين !
آهٍ ثم آه ، واقعٌ مريرٌ نعيشه يحتاج منا إلى إعادة محاسبة أنفسنا ، حتى نكون على قدرٍ من المسؤولية تجاه ديننا الإسلامي ، فإن هذا الدين لا يمكن أن ينتشر ولا أن يقوى بأمثال أولئك الذين تكون أقوالهم في وادٍ وأفعالهم في وادٍ آخر ، إن هذا الدين يحتاج إلى رجال صادقين مع الله قبل أن يكونوا صادقين مع الناس ، وذلك أن صدقهم مع الله جل وعلا سيقودهم حتماً إلى الصدق مع الناس { منَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً } .
لا نحتاج اليوم إلى الساعات الطوال التي نقضيها في التأليف والتنظير ، وإنما نحتاج إلى الدقائق والثواني البسيطة التي نترجم فيها ما ننظر له ونتحدث به في المجالس والخطب والدروس والمحاضرات إلى واقعٍ عملي يتفيَّأ الناس ظلاله ، فإن ذلك والله أبلغ بكثير من كل تلك الخطب والدروس والمحاضرات ، إننا اليوم بأمس الحاجة إلى ذلك المسلم الحقيقي الذي يطبق تعاليم دينه في حياته اليومية ، فمجرد معرفة تعاليم الدين لا تكفي بل إنها تكون حجة على صاحبها يوم القيامة لا سيما إن كان من أهل العلم وطلبته .
وعيدٌ شديد ذكره النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه لمن كانت أفعالهم مناقضةً لأقوالهم حيث يقول عليه الصلاة والسلام : ( يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار ، فتندلق أقتابُ بطنه ، فيدور بها كما يدور الحمار بالرَّحى ، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون : يا فلان ما لكَ ؟! ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ؟! فيقول : بلى ، قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه ، وأنهى عن المنكر وآتيه ) .
إن مثل هذه الإشكالية التي باتت اليوم تزداد بشكلٍ ملاحظ ليست مسألةً فرعيةً ثانوية بل هي مسألةٌ منهجيةٌ أساسية تستلزم علينا جميعاً السعي لمعالجتها بالتربية الإسلامية الأصيلة لأنفسنا وأبنائنا ، المبنية على العلم والعمل ، ندعو إلى الصدق لا بد أن نكون صادقين ، نحذر من الظلم فنكون أبعد الناس عنه ، نأمر بالمعروف ونأتيه ، وننهى عن المنكر فنكون أول المجتنبين له ، وهكذا ، فلا بد أن تصدق أفعالنا أقوالنا وإلا كنا من أولئك الذين ذمهم الله في كتابه الكريم بقوله: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ }.

الخميس، 29 يناير 2015

عذراً رسول الله .. بقلم : أحمد العازمي

لم يعد يخفى على أحد أن أي صحيفةٍ لا شهرة لها في الوسط الصحافي ما عليها حتى تشتهر إلا أن تطعن بالإسلام ونبيه صلى الله عليه وآله وسلم وأتباعه المهتدين بهديه والمستنين بسنته !
وهذا هو ما فعلته الصحيفة سيئة الذكر شارلي إيبدو الفرنسية ، حيث اعتمدت لنيل الشهرة ورفع نسبة مبيعاتها على الطعن بالإسلام ونبيه صلى الله عليه وآله وسلم وأتباعه دون أدنى مراعاةٍ للآثار السلبية المترتبة على هذا التصرف السيئ ، ودون أي اعتبار لأسس العمل الصحافي من الأمانة والصدق والموضوعية في المادة الصحافية المنشورة ، الأمر الذي يُعتبر " إفلاساً صحافياً " وإن شئت فقل عنه بأنه " انحطاطٌ إعلامي " .
لقد أججت صحيفة شارلي إيبدو مشاعر أكثر من مليار ونصف مسلم ، وأثارت حفيظتهم ، وذلك أنه لا يوجد مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله يرضى بأن يُسب نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ويُستهزأ به ؛ وذلك أن من مقتضيات الشهادة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالرسالة محبته ونصرته وتأييده ، ومن هنا فإنه لا يوجد مسلمٌ على وجه الأرض إلا ويحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ويرى أن محبته عليه الصلاة والسلام دليلٌ على إيمانه ، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : ( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين ) ، وقال عليه الصلاة والسلام : ( ثلاثٌ مَن كُنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما ، وأن يُحِبَّ المرءَ لا يُحِبُّه إلا لله ، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُقذف في النار ) .
إن حرية الرأي والتعبير لا تكون أبداً في الطعن بدينٍ ارتضاه رب العزة والجلال للناس وأتم به نعمه عليهم { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا } ، ولا تكون قطعاً بالطعن بنبيٍ جعله الله تبارك وتعالى خاتم النبين والمرسلين ، وأرسله للناس كافة بشيراً ونذيراً ، وإن أقل ما يمكن أن يوصف به فعل تلك الصحيفة النكراء بأنه حماقةٌ وجهل ، حماقةٌ لعدم إدراكها خطورة ما أقدمت عليه ، وجهلٌ لعدم علمها بقدر من تطاولت عليه صلوات ربي وسلامه عليه .
لقد أصابت صحيفة شارلي إيبدو التعايش السلمي في فرنسا بمقتل ، وأحدثت شرخاً كبيراً في علاقة المسلمين بغيرهم في المجتمع الفرنسي ، وبثت روح الكراهية ، وأشاعت العداوة والبغضاء بعنصريتها وإصرارها على الإساءة للمسلمين والتعرض للنبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالسخرية والاستهزاء .
اليوم هو يوم إثبات الإيمان بنصرة خير الأنام عليه أزكى صلاةٍ وأتمُّ سلام ، فمن لم ينصر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم اليوم فليراجع إيمانه ؛ وذلك أن من مقتضيات شهادة أن محمداً رسول الله تعظيمه وتوقيره ونصرته وتأييده والدفاع عنه في حياته وبعد مماته صلوات ربي وسلامه عليه ، قال الله جل وعلا : { فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } .
إن نصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم شرف ورفعة لكل منتصر له عليه الصلاة والسلام ومُدافعٍ عنه، ولكن ينبغي أن نلاحظ هنا مسألة مهمة ، وهي أن نصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم يجب أن تكون بالوسائل المشروعة ، وأن يُراعى فيها المرحلة التي تعيش فيها الأمة ، والمصالح والمفاسد المترتبة على ذلك ؛ وذلك حتى لا نوقع الأمة فيما لا تُحمد عُقباه .
كلٌ منا اليوم مطالب بنصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والدفاع عنه ، كلٌ حسب قدرته واستطاعته ؛ إذ { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا } ، ، فالقادة مسؤولون ومطالبون بالقيام بواجبهم تجاه تلك الإساءات المتكررة للإسلام والنبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم ، والمنظمات الإسلامية أهليةً كانت أو حكومية مطالبة كذلك باتخاذ موقف وووضع برامج عملية من شأنها التعريف بالنبي صلى الله عليه وسلم وبيان فضله على البشرية جمعاء ، والأفراد كذلك مطالبون بالدفاع عن نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم وبيان سيرته ونشر سنته بشتى الوسائل المتاحة والممكنة .
أخيراً أقول : إن مرحلة الضعف التي تعيشها الأمة هي التي جرأت أمثال تلك الصحف اللقيطة على الإساءات المتكررة للإسلام ، والتطاول على نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، والاستهزاء المستمر لأتباعه ، ولذلك يجب علينا اليوم أن نكون على قدرٍ من المسؤولية ، ونسعى جميعاً لنهضة هذه الأمة ورفعتها ، واستعادة قوتها وعزها ومجدها ، ولا يكون ذلك إلا عندما نتخذ من الإسلام عقيدةً وشريعةً ومنهجاً في حياتنا كلها { وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ } .

السبت، 31 مايو 2014

إدارة الإعلام بالمؤسسات الدعوية بقلم : أحمد العازمي

كل مؤسسة اليوم تريد النجاح واستقطاب عدد أكبر من الجمهور تجاه مشاريعها وأنشطتها لا بد لها أن تهتم بالإعلام ، فالإعلام اليوم أصبح وسيلةً مهمة في المجال الدعائي والترويجي سواء للسلع أو الخدمات أو المشاريع أو الأفكار والمبادئ والقيم ، ولهذا نرى كبرى المؤسسات تحرص على الإعلان عن نفسها ومنتجاتها وخدماتها عن طريق الإعلام ، وتصرف الألوف المؤلفة في سبيل نشر إعلان مدته قد لا تتجاوز الدقيقتين ؛ وذلك لعلمها بمدى تأثير هذا الإعلان رغم قصر مدته .
وإن مما لا يخفى على الجميع ما للإعلام من دورٍ بارزٍ في التأثير على الناس ومعتقداتهم وأفكارهم ومبادئهم ، وغنيٌ عن الذكر أن مما يدرسه الطلبة في كليات الإعلام : مقرر الرأي العام ، الذي يتعلم فيه الطالب كيفية صناعة الرأي العام حول قضية من القضايا ، وما هي الأساليب المتبعة لذلك ، وكيف يصل الإعلامي إلى تغيير قناعة المتلقي دون أن يشعر بذلك .
العناية بالإعلام اليوم باتت أمراً مهماً وضرورياً بالنسبة للمؤسسات الدعوية ، فهذه الوسيلة من النعم التي أنعم بها الله عز وجل على عباده ، ويجب على أهل الخير والصلاح أن يُحسنوا استغلالها واستخدامها فيما ينفع الناس في دينهم ودنياهم .
كثيرةٌ هي العقائد والأفكار المنحرفة والضالة التي انتشرت في الأمة بسبب عدم استغلال الإعلام الاستغلال الصحيح ، فكم من معتقداتٍ باطلة وأفكارٍ غربية لا صلة لها بالإسلام قد سُوِّق لها من قبل الإعلام ؟! وكم من فتاوى شاذة أُذيعت على الأمة وزُعم أنها من شريعة الله تعالى زوراً وبهتاناً ؟! وكم من خُلقٍ سيء غُرس في أبناء هذه الأمة وبناتها ؟! وكم من مسلسلٍ وفيلمٍ هدم قيماً فاضلةً في مجتمعاتنا ؟!
إن كل هذه الأمور تستدعي على المؤسسات الدعوية اليوم أن تنبري لحمل لواء الإعلام الهادف الذي يهتم بالعقيدة الصحيحة ، والأفكار والمبادئ الأصيلة ، ويُعنى ببيان الأحكام الشرعية وفق ما جاء في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ، ويغرس قيم العفة والحياء والفضيلة بأسلوبٍ عصري سهلٍ مبسَّطٍ لا غلو فيه ولا إفراط ولا تفريط ، منضبطٍ بالضوابط الشرعية ، مراعياً واقع هذه الأمة ، والمرحلة التي تمر بها ، مُعلياً مصالحها ، مُقدِّماً ما يجمعها على ما من شأنه أن يفرق بينها ، منطلقاً في ذلك كله من قول الله تعالى : { إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ } ، وقوله جل وعلا : { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا }، وقوله عز من قائل : { وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ } ، مُسترشداً بقوله سبحانه : { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } ، جاعلاً من الرفق له خلقاً ، ومن الحكمة له سبيلاً ، داعياً إلى الله على بصيرة ، يعِظُ بالحسنى ، ويجادل بالتي هي أحسن ، عاملاً بقوله سبحانه : { ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ } .
لابد أن تلعب المؤسسات الدعوية اليوم دوراً هاماً في توعية المجتمع وإرشاده إلى تعاليم دينه الحنيف من خلال إنشاء إدارات تُعنى بالإعلام بكوادر متخصصة ، وتفعيل دورها بالشكل المطلوب بعد وضع الرؤية لهذه الإدارة والأهداف المرجوة منها والميزانية المناسبة لذلك .
كتابة مقالات صحافية .. إعداد كلمات إذاعية .. عمل برامج تلفزيونية .. القيام بحملات إعلامية توعوية موسمية عن طريق مقاطع مرئية قصيرة .. الإعلان عن المشاريع والأنشطة الدعوية ... إلخ ، كل هذه الأمور مهمة جداً في ترسيخ الثقافة الإسلامية الأصيلة التي من خلالها ينشأ جيل مستمسكُ بكتاب ربه ، مهتدياً بسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ، مقتدياً بالصحابة الكرام رضوان الله عليهم ومن تبعهم بإحسان .
أخيراً أقول : لقد تأخرنا كثيراً في استغلال الإعلام في نشر الإسلام ومبادئه وقيمه وآن لنا أن نُدرك أهميته ونعمل على إيجاد إداراتٍ فاعلة تعنى بالإعلام الهادف في مؤسساتنا الدعوية .

الخميس، 21 مارس 2013

الإدارة المدرسية الناجحة بقلم : أحمد عادل العازمي

يقول أحد الأساتذة الكرام : " كنت آتي مبكراً إلى العمل فأصبحت لا آتي إلا متأخراً مع أني مستيقظ من الفجر والمدرسة قريبة من بيتي ولكن سوء تعامل الإدارة وعدم رغبتي رؤية المدير جعلني أقوم بذلك " ، ويقول آخر : " كلفني المدير ذات يوم بثلاث مهام وطلب مني القيام بها بوقت واحد ! فقلت له: كيف ؟ فقال : قم بالمطلوب دون نقاش " ! ، ويقول أستاذ فاضل - يُعتبر أحد الكفاءات التربوية بصدق - : " لقد قدَّمت استقالتي ، وكان من أهم أسباب الاستقالة : سوء الإدارة المدرسية "، ويقول معلم مستقيل آخر:" كنت محباً لمهنة التعليم ، وكنت أجد متعةً بالتدريس ، وأقوم بالعديد من الأنشطة المدرسية مع طلابي، ولكن الإدارة المدرسية التي كنت أتعامل معها حطَّمت جميع معنوياتي ، وجعلتني أقدم استقالتي ، وأذهب للعمل بدولة أخرى ".
كانت تلك عبارة عن نماذج من الكوادر التربوية التي اضطرتهم الإدارات المدرسية للقيام بما تم ذكره آنفاً ، وبذلك يخسر التعليم كوادره التربوية ، ويكون هناك عزوف من قبل أفراد المجتمع عن هذه المهنة السامية .
إن الإدارة المدرسية الناجحة تسعى لتذليل الصعاب أمام المعلم ، وتتيح له الفرصة لإبراز مواهبه وقدراته ، وتفتح له المجال لإظهار ما لديه من مهارات تربوية ، إضافة إلى تحفيزه وتشجيعه ، وبذلك يزيدُ عطاؤه .
الإدارة المدرسية الناجحة تضع نصب عينيها دائماً أن المعلم عبارة عن إنسان ، والإنسان طاقة محدودة، وتحميله فوق طاقته يُؤدي إلى إرهاقه ، واستهلاكه في فترة وجيزة من الزمن ، وكثيراً ما يؤدي ذلك إلى حالات التذمُّر ، فتتعكَّر نفسية المعلم ، وتجعله لا يؤدي الأداء المطلوب في مجال عمله .
يعتمد نجاح الإدارة المدرسية على حُسن علاقتها بالكادر التعليمي ، فالعلاقة لا بد أن تكون متينة ومبنية على الاحترام المتبادل والثقة بين الطرفين .
من المهم جداً أن يشعر المعلم بأن الإدارة المدرسية مُعينة له في أداء مهمته ورسالته السامية ، وأنهما عبارة عن جزءٍ واحد ، كلٌّ منهما يكمِّل الآخر ، ويسد ثغرة ما في العملية التعليمية ، فالشعور بهذه الرابطة الوثيقة يمثل عاملاً مهماً في نجاح الإدارة المدرسية .
عملية تصيُّد الأخطاء وانتهاز الفرص للانقضاض على المعلم أمر لا يمكن أن يكون إيجابياً في الإدارة المدرسية، فالخطأ يتم علاجه بالبيان والمناصحة وحُسن التوجيه ، ولا يتم بالتهديد أو حتى بالتلويح باتخاذ الإجراءات الرسمية ، فهذه الإجراءات ما وُضعت إلا لعلاج الأخطاء والمشكلات ، وما دام أن علاجها ممكن من خلال التوجيه فإنه يُكتفى به ، أما إذا لم يكن بالإمكان ذلك فإنه في هذه الحالة يتم اتخاذ الإجراءات الرسمية دون إشعارٍ للمعلم بأن ذلك إنما هو انتقامٌ منه ، ومن المهم هنا التأكيد على علاج الأخطاء بالحكمة وحُسن تقدير الموقف والعواقب ، فالخطأ سيمر ولكن العمل مستمر .
كما أنه ليس من المقبول إذا أخطأ معلمٌ خطأ ما - بوجهة نظر الإدارة المدرسية - أن يتم على الفور معاتبته ، فقد يكون لديه رأيٌ آخر بالموضوع لم يظهر للإدارة ، وقد تقتنع الإدارة بوجهة نظره لو اطلعت عليها ، وقد يكون فعلاً قد ارتكب خطأ ما وهو مُقر ومعترف به ووعد بألا يتكرر الخطأ ، فحينها معاقبته تكون من العبث ، وتُشعر المعلم بإرادة الانتقام ، وبخاصة إذا كان هذا المعلم مشهود له بالكفاءة والنشاط والشعور بالمسؤولية التربوية وله من الحسنات ما يشفع له هذا الخطأ ، فالإدارة الناجحة توازن في تصرفات المعلمين ، ولا تتسرع باتخاذ قرارات من شأنها الإضرار بالعملية التعليمية .
إن الاستياء العام من الإدارة المدرسية إنما يكون حينما تتعامل مع الكادر التعليمي وفق معايير غير منضبطة ولا عادلة ، فحين يتم استبدال معيار العدالة بالمعايير غير المنضبطة ولا العادلة في التعامل عندها يكون الإشكال ، وينشأ حينها حالة من الاستياء العام عند الكادر التعليمي ، بخاصة إذا رأوا بأن الإدارة تحرص على تقريب فئة وإعطائها المزايا على حساب فئة أخرى .
وأخيراً : إن القائد الإداري الناجح هو من يستطيع كسب العاملين معه ، وتحقيق التجانس بينهم ، وإقناعهم بأهمية الوصول للأهداف المشتركة التي أسهموا بوضعها وصياغتها ، القائد الإداري الناجح أقواله تطابق أفعاله ، لا يكِنُّ إلا الخير للعاملين معه ، يُحسن الظن بهم ، يزيد من عطائهم بحُسن علاقته معهم ، يسمع لهم كما يسمعون له ، يرى نفسه خادماً لهم قبل أن يكونوا هم عاملين معه ، يشعر بعظم المسؤولية الملقاة على عاتقه ، لا يرى الوظيفة التي هو بها إلا تكليف سيحاسب عليه يوم القيامة ، عندها تكون الإدارة المدرسية إدارة ناجحة .

السبت، 24 ديسمبر 2011

وليعفوا وليصفحوا بقلم : أحمد عادل العازمي


لقد شرع الله تبارك وتعالى لعباده الزواج ورغَّب فيه وحثَّ عليه وجعل ذلك فطرةً في الإنسان ، حيث أنه الطريق الشرعي الوحيد لالتقاء الرجل بالمرأة { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } .
وبما أن الرجل قد ارتبط بهذه المرأة بهذا العقد العظيم والميثاق الغليظ أوجب الله تعالى على كلا الطرفين حقوقاً كما أوجب عليهما واجبات ؛ كل ذلك حتى تنتظم الحياة الزوجية بينهما وتسير السفينة إلى برِّ الأمان مُحمَّلةً باللآلئ والمرجان .
ولما كان كلا الزوجين يعتريه ما يعتري الطرف الآخر من الخطأ والنسيان وتقلُّب الأحوال وغير ذلك مما يعتري البشر كان لزاماً على كلا الزوجين أن يغضَّ الطرْف عن أخطاء الآخر وزلاَّته ؛ وذلك أن كلاهما لا يسلم من هذه الزلات والأخطاء ، ولو أمسك كلُّ واحدٍ منهما أخطاء الطرف الآخر لما استقامت حياةٌ زوجيةٌ على وجه هذه الأرض ولكانت هذه الحياة جحيماً تُسعَّر بأصحابها .
إن تجاوز الأخطاء والعفو عن الزلات هو سبيل الحياة السعيدة والأسرة الهنيئة والمحبة والمودة ، وأنا لا أدري كيف يكون الزوج محباً لزوجته أو الزوجة محبةً لزوجها وكلاهما يتصيَّد على الآخر أخطاءه وزلاته ؟!
ثم ما هو ذنب هؤلاء الأطفال حينما يرون أباهم وأمهم يتشاجران أمامهما ؟ أفلا يؤثر ذلك على نفسيتهم وعلى خُلقهم وعلى طبائعهم ؟ سَلوا علماء التربية والاجتماع عن ذلك يخبروكم بتأثيره ويُعلِموكم بخبره .
إن سبيل الحياة الهادئة هو التجاوز عن الأخطاء والنصح بصدق والحوار بهدوء بعيداً عن أعين الأطفال ؛ وذلك ليصحح كل زوج خطأ صاحبه وللوصول كذلك إلى حل لكل الخلافات الأسرية ، وإن صدق الزوجان وأرادا فعلاً أن يعيشا بهناء واستقرار فسيوفق الله بينهما كما قال سبحانه : { إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا } .
ولن أفصِّل هنا في سبيل التعامل مع الخلافات الزوجية - ولعلَّ الله تعالى ييسر ذلك مستقبلاً -، ولكن قصدي من ذلك أن أبيِّن أهمية العفو والتجاوز عن الأخطاء والزلات في الحياة الزوجية لمن أراد أن تكون حياته الأسرية سعيدةً هانئةً يملؤها المحبة والوِئام .
وخير ما يصنعه الأزواج لحلِّ أي خلاف قد ينشب بينهما - بغض النظر عن هذا الخلاف وسببه - هو أن يلين الطرف الآخر حينما يشد الطرف الأول ويتذكر حسنات وإيجابيات صاحبه ( لا يفرك – لا يكره – مؤمنٌ مؤمنة إن كره منها خلقاً رضي منها آخر ) .
وأكبر دليلٍ على ذلك قصة ذلك الرجل الذي جاء يشكو امرأته إلى الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه فلما وصل إلى بابه وأراد طرق الباب سمع صوت زوجة عمر تصرخ عليه ، وتُعلي صوتها بوجهه ، وهو ساكتٌ عنها ويهدِّيها ، فلما سمع ذلك رجع مطأطئاً رأسه ، فأحس عمر بخطوات الرجل فخرج له مسرعاً وناداه ، فقال : له ما بالك ، ألك حاجة ؟ فقال له : كنت قد أتيت أشتكي إليك زوجتي فرأيت زوجتك تصنع بك مثل ما تصنع زوجتي ، وأنت ساكتٌ عنها وتحاول إرضاءها ، فقال له : وما لي لا أفعل ذلك ، وما لي لا أحتملها وهي أم أولادي ، وصانعة طعامي، وغاسلة ثيابي ، أفلا احتملها لأجل ذلك ، وأعذرها ؟!
والعجب كل العجب من أناسٍ يتجاوزون عن أخطاء أصحابهم وزملائهم ولكنهم حينما تُخطئ زوجاتهم لا يتحملون ذلك أبداً ، وتثور براكين الغضب في المنزل لأجل ذلك ؟! ولو كانوا واضعين نُصب أعينهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( خيركم خيركم لأهله ) لما وقعوا في ذلك .
ويكفي حثاً لنا على العفو والتجاوز عن الأخطاء والزلات أن الله تبارك وتعالى يعفو ويتجاوز عمَّن عفا وتجاوز عن أخطاء الآخرين حيث قال سبحانه : { وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } .