الثلاثاء، 28 ديسمبر 2021

الوشاية بقلم : د.أحمد العازمي

يُقال في اللغة: وشى به إلى السلطان ويشي ووِشايةً أي نمَّ عليه وسعى به، فالوشايةُ تحريضٌ لمنع حق من الوصول إلى صاحبه أو للإضرار بشخص ما، وقد تكون بصورةٍ مباشرة أو غير مباشرة، فلدينا هنا ثلاثة أطراف في الوشاية: الواشي ومن وُشي به وصاحب السلطة الذي يملك الولاية والقرار والنفوذ.

وهذه الوشاية قد تكون في مجال الأسرة أو العمل أو المجتمع أو الدعوة أو السياسة حيث المكائد والدسائس والمخططات والمؤامرات سواء على مستوى الأفراد أو الأحزاب والجماعات أو الدول والمنظمات .

في غالب الأمر يكون الواشي قريباً من صاحب الولاية أو السلطة أو المنصب، ويسعى لتنحية منافسيه بشتى الطرق والوسائل، وتراه يجتهد ويفكر ويدبر للفتك بخصومه ومخالفيه أو من يراه ويظن بأنه مهدداً لمكانته ومنزلته عند ذوي الولاية والسلطان والمنصب والنفوذ، فيسعى لإثارة صاحب الولاية والسلطة والنفوذ على فلانٍ من الناس ممن عُرف بالفضل والمكانة والمزِيَّةِ على غيره، لابساً في مكره وخديعته لباس الحمل الوديع وفي حقيقته الوحش الكاسر، مُظهراً النصيحة والشفقة، ومُضمراً الشر والخُبث، مُستعدياً بوشايته من كان قريباً من صاحب الولاية والسلطة والنفوذ، ومثيراً للفتنة بينهما، وفاتحاً باب شر على من يزعم النصيحة له، وقديماً قيل:

ومن يُطعِ الواشين لا يتركوا له .. صديقاً وإن كان الحبيب المقرَّبا

وعلى مر التاريخ لم يمرَّ زمانٌ ولم يخلُ مكانٌ من أصحاب الوِشايات، ممن غرتهم الحياة الدنيا، وعضوا عليها بالنواجذ، وكانوا مثالاً لمن باع أخراه بدنياه، والعجيب في هذا الأمر ليس في وجود أمثال هؤلاء في كل زمان ومكان، وإنما العجيب في الأمر أن بعضاً من هؤلاء ممن يُظهر التديُّن والصلاح، ومن المفروض أن يكونوا من أنقى الناس قلوباً، وأصفاهم سريرةً، وأكثرهم تقى وزهداً وورعاً، وكفاً عن أذى الآخرين! فهم الذين يتلون قول الله تبارك وتعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخواناً عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَٰبِلِينَ}، وقوله سبحانه وتعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}، وقوله جل وعلا: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا مَّآ أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}، وقوله عز وجل: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ ۚ إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَٰٓئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْـُٔولًا}، وقوله سبحانه: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}، وهم الذين يروون قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تَحاسَدُوا، ولا تَباغَضُوا، ولا تَجَسَّسُوا، ولا تَحَسَّسُوا، ولا تَناجَشُوا، وكُونُوا عِبادَ اللهِ إخْوانًا)، وقوله عليه الصلاة والسلام: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده)، وقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل الجنة قتَّات)، وقوله صلوات ربي وسلامه عليه: (مثَلُ المؤمنين في تَوادّهِم وتَراحُمِهِم وتَعاطُفِهِم مَثَلُ الجَسَدِ إذا اشْتَكَى منه عُضْوٌ تَداعَى له سائِرُ الجَسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى)!

إن من نراهم اليوم يسعون للإضرار بإخوانهم ما هم إلا أحفاد أولئك الذين قاموا بالوِشاية بعلمائنا وفقهائنا ودعاتنا من قبل عند ذوي السلطان وأصحاب القرار والنفوذ، فقد سبق وأن وُشي كذباً وزوراً على الإمام أبي حنيفة النعمان والإمام مالك بن أنس والإمام محمد بن إدريس الشافعي والإمام أحمد بن حنبل والإمام البويطي وشيخ الإسلام ابن تيمية وسلطان العلماء العز بن عبدالسلام وغيرهم من الأئمة الأعلام الذين لم تزدهم الوشايةُ بهم إلا رفعةً وسمواً وعلواً بصبرهم ويقينهم بالله جل وعلا، وصدق فيهم قوله سبحانه: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ}، وكانوا بذلك رموزاً في الثبات على الدين والقيم والمبادئ، وأما أولئك ممن وشوا بهم فلا يذكرهم التاريخ إلا بالنقائص والمعايب والسوء.

لقد اتهموا أبو حنيفة ورموه بالشنائع، وزعموا بأنه يخالف أوامر الخليفة برفضه تولي القضاء، مما يعني أنه عصى ولي الأمر بل ولا يرى طاعةً له، وأنه من الخارجين على الإمام - كذباً وزوراً وبهتاناً - وحبسوه وضربوه على ذلك، مع أنَّ رفض تولي القضاء لا يعني بالضرورة مخالفة ولي الأمر ولا الخروج عليه ولا أياً من تلك الأقاويل التي زعموها وافتروها على الإمام ووشوا بها، ولكنها الوشاية في ثوبها الممزق وصورتها البشعة.

وجلدوا الإمام مالك بن أنس في فتواه بعدم وقوع طلاق المكره، حيث كانوا يأخذون البيعة من الناس بأيمان الطلاق، فكان يفتي بعدم وقوع طلاق المكره، وزعموا بذلك أنه يقول بجواز الخروج على الخليفة ويدعو إلى ذلك حتى جُلد على إثر هذا الأمر وهو إمام دار الهجرة ونجم العلماء!

وقد وُشي بالإمام الشافعي عند الخليفة هارون الرشيد وسُجن، وزُعم بأنه يُناصر معارضي الخليفة ويجوّز الخروج عليه -كذباً وزوراً-، وعُرض على السيف وكاد الخليفة أن يضرب عنقه لولا لطف الله وتسخيره الإمام محمد بن الحسن الشيباني للإمام الشافعي في مجلس الرشيد حيث انتصر له ورد عنه ما ادُّعي عليه كذباً وزوراً، وشهد له بالعلم والفضل.

ولا يخفى على أحدٍ أيضاً ما فُعل بالإمام أحمد في فتنة القول بخلق القرآن التي ابتدعها المعتزلة وامتحنوا الناس عليها، حيث سُجن وجُلد ومُنع من التدريس، كل ذلك بسبب وشايات لذوي السلطان والنفوذ والقرار التي لا يزال البعض يستمتع بممارستها!

كل تلك الوشايات ذهبت وذهب أصحابها، وقد سقطوا من أعين الناس، وأصبحوا جزءاً من الماضي، ولا يذكرهم التاريخ إلا بسوء فِعلتهم، وبات أولئك الأئمة العِظام أعلاماً للأمة، ومنارات للهدى والصلاح والرشاد إلى أن يرث الله سبحانه وتعالى الأرض ومن عليها، فهم أتباع الأنبياء والرسل بحق، وقد تحملوا الأمانة والمسؤولية في تعليم الناس والتبليغ عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، فنالهم بسبب ذلك بعضاً مما نال الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام من قبلهم {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِىٍّ عَدُوّا شَيَٰطِينَ ٱلْإِنسِ وَٱلْجِنِّ يُوحِى بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ ٱلْقَوْلِ غُرُورًا ۚ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ}.

أين حال أولئك الوُشاة من حال أولئك الأئمة الأعلام والدعاة الفضلاء ممن وُشي بهم، فقد كان الإمام أبو حنيفة النعمان -رحمه الله- من أكثر الناس صلاةً، وكان يحيي الليل صلاةً ودعاءً وتضرُّعاً، وكان أبعد ما يكون عن المحرمات، وكان مكتفياً في الجانب المالي، حيث كان تاجراً ولم يمد يديه لأعطيات السلاطين وأصحاب المناصب والنفوذ، وكان يتعاهد طلابه وتلاميذه ويساعد من كان محتاجاً منهم، وكان الإمام مالك بن أنس -رحمه الله- شغله الشاغل في بيته قراءة القرآن الكريم، وكان يطيل الركوع والسجود في صلاته بالليل، وكانت أكثر عباداته في السر، حيث لا يراه أحد، وإذا رأيته رأيت الخشوع والوقار والهيبة والخشية من الله جل وعلا في وجهه، وكان الإمام الشافعي -رحمه الله- يجزئ الليل أثلاثاً، ثلثاً يكتب، وثلثاً يصلي، وثلثاً ينام، وكان الإمام أحمد -رحمه الله- يختم القرآن كل سبعة أيام، وكان يُكثر الصيام وهو في السجن، وكان عفيفاً، رافضاً للأعطيات، وكانت مجالسه عامرةً بذكر الله والدار الآخرة، وأمثال هذه الأحوال لا يمكن أن يكون عليها أولئك الوشاة لا من قبل ولا من بعد، فحُقَّ لأولئك الأعلام أن يرفع الله ذكرهم في العالمين، وحُقَّ لأولئك الوشاة أن يمحو الله ذكرهم، ويُخفض منازلهم بين الناس، فهم الصغار مهما علت مناصبهم، ومهما كثرت أموالهم، ومهما وضعوا لأنفسهم من الألقاب.

إن بعضاً من أولئك الوشاة قد دارت عليهم الدوائر في الدنيا، وما كانوا لضعف إيمانهم ويقينهم يتصورون بأن الدوائر ستدور عليهم في يومٍ من الأيام، ولكنها سنة الله في خلقه {وَتِلْكَ ٱلْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ} ، وقد انتقم الله جل وعلا منهم في الدنيا، وما ينتظر من لم يتب منهم ومن لم يَغفر لهم ويعفوا عنهم من وشوا بهم وأوقعوا بهم الضرر أعظم عند الله، حتى قال الإمام مالك بن أنس -رحمه الله- في إحدى الروايات المروية في محنته عندما قيل له: إن جعفر بن سليمان قد ضرب فلاناً وحلق رأسه ولحيته وأقامه للناس، فقال مالك: وما تريدون به، أترون حظنا مما نزل به النظر إليه والشماتة به؟! إنا نؤمّل من ثواب الله ما هو أعظم من ذلك، ونؤمّل له من عذاب الله ما هو أشدُّ من ذلك.

فيا ويل كل أولئك الوشاة من الله وعقابه وعذابه، فهم الهمازون المشاؤون بنميم، مشعلوا الفتن ووقود النيران في الأرض، فكم خاضوا في الأعراض، واتهموا النيات، وكشفوا العورات، وانتقصوا أهل العلم والعقل والحكمة والمروءات، وكم أوغروا من صدور، وزرعوا من أحقاد، وفرَّقوا بين الأحباب، وكم قطَّعوا من أواصر، وبثوا من شرور في المجتمعات؟!

ولسان حال بعض من ابتُلي بالوشاية به من قبل بعض الأفراد أو الجماعات أو الأحزاب أو التيارات أو غيرهم: إنا والله نؤمّل من ثواب الله ما يرفع به درجاتنا عنده في الآخرة ونؤمّل لكم من عذاب الله ما يُذيقكم به بأسه ويقيم به عدله {كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْحَقَّ وَٱلْبَٰطِلَ ۚ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَآءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمْكُثُ فِى ٱلْأَرْضِ ۚ}.

الجمعة، 5 نوفمبر 2021

الأطفال في الأسرة بقلم : د.أحمد العازمي

 

تعتبر الأسرة المؤسسة التربوية الأولى التي نشأت مع بداية خلق الإنسان بل وفي أحسن الأماكن وأطهرها وهي الجنة ، حيث خلق الله تبارك وتعالى آدم وحواء وكان الارتباط الوثيق ما بينهما ؛ ليكمل كلٌ منهما الآخر في هذه الحياة الدنيا وتبدأ حياة البشرية بذلك { وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ } ، وهو ما يدلنا على أهمية الأسرة في ديننا الإسلامي ، وضرورة الاعتناء بها، وتوفير البيئة المناسبة لها ؛ فالأسرة هي النواة الأولى للمجتمع ، والخلية واللَّبِنة الأساسية في تكوين البناء الاجتماعي ، وهي مصنع الأجيال ، والرجال العظماء ، والنساء الصالحات ، ففيها يتم وضع البذور الأولى في التنشئة والتربية ، وهي التي تقوم بتشكيل الملامح الأساسية لشخصية الإنسان ، وإكسابه القيم والمفاهيم والاتجاهات ، ونمط علاقته مع الآخرين ، وهي التي تقوم بتكوين اتجاهاته وميوله وفكره وثقافته وسلوكه في المجتمع ، ومن هنا قال النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه : ( كل مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ).

إعداد الطفل جسمياً وعقلياً ونفسياً وروحياً ووجدانياً واجتماعياً حتى يكون عضواً صالحاً ونافعاً لنفسه ومجتمعه وأمته هي المهمة الأساسية والأولى للأسرة ، وعمارة هذه الحياة الدنيا التي نعيش فيها لا يمكن أن تكون إلا بأفرادٍ صالحين يشعرون بالمسؤولية ، ويكونون قادرين على تحمل تبعاتها ، والنهوض بأوطانهم نحو التقدم والرقي والازدهار ، وهؤلاء الأفراد من الصعب أن ينشؤوا في ظل أسرٍ مضطربة ومتفككة ، ومن هنا ترى أن إبليس يحرص هو وأتباعه وأولياؤه من شياطين الإنس والجن على إفساد الأسرة وتفككها بشتى الطرق والوسائل ، وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ( إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه ، فأدناهم منه منزلةً أعظمهم فتنة ، يجيء أحدهم فيقول : فعلت كذا وكذا ، فيقول : ما صنعتَ شيئاً ، ثم يجيء أحدهم فيقول : ما تركته حتى فرَّقتُ بينه وبين امرأته ، قال : فيدنيه منه ويقول : نِعْمَ أنتَ ) يُثني عليه ويقربه منه إعجاباً بفعله وصنيعه .

إن المسؤولية التي تقع على عاتقنا اليوم في تربية أطفالنا مسؤولية كبيرة ، ولم يعد أمرها بالشيء الهين ، لا سيما مع الثورة الإعلامية الهائلة ووسائل التقنية والأجهزة الذكية التي باتت اليوم بيد كثير من الأطفال دون حسيب ولا رقيب ، حيث تساهم هذه الوسائل كلها - شئنا أم أبينا - في تنشئة الطفل وصياغة شخصيته وميوله واتجاهاته ونظرته للآخرين من حوله وكيفية تعامله معهم ، كل ذلك يجعل المسؤولية على الوالدين في الأسرة كبيرة ، فهل نكون فعلاً على قدر هذه المسؤولية أم نكون سبباً في ضياع أبنائنا ونشأتهم بشكلٍ غير سوي ؟!

الأربعاء، 6 أكتوبر 2021

كيف ندمر مجتمعاتنا ؟ بقلم : د.أحمد عادل العازمي

لم يعد خافٍ على أحد ما نعانيه في مجتمعاتنا الإسلامية من فُرقةٍ واختلافٍ وتشتت وضياع، ومكائد ودسائس ومؤامرات تُحاك هنا وهناك، مرات باسم التجارة، وتارة باسم التنمية، وأخرى باسم السياسة، وأحياناً باسم الدين وحماية الإسلام والدفاع عن قضايا المسلمين ومراعاة المصالح والمفاسد في ذلك -زعموا-، ولكن في النهاية كلها مكائد ودسائس ومؤامرات مع اختلاف المسميات واللباس والحجج والتبريرات التي يحاول البعض إقناع نفسه أو أتباعه أو جماعته وحزبه بها، وكل منهم يحسب أنه يُحسن صُنعاً ! ولو سألت أي واحدٍ من أولئك ما هي أفضل طريقة لتدمير المجتمعات وإفساد الأوطان وتضييع مصالح الأمة لما كان جوابه خارجاً عن أفعاله !

يكذب ويغتاب، ويبهت ويفتري، ويشي ويُراوغ، ويغش ويخادع، ويشهد بالباطل، ويُوقع الظلم على الآخرين، ويدمر مستقبل أناس ويتسلق على أكتافهم، ويأخذ ما لا يستحق، ويطلب ما كان لغيره، ويتلاعب بالمفاهيم والمصطلحات، ويقدح في الثوابت الشرعية، والمعتقدات المسلَّمة، والأحكام القاطعة، ويصمت صمت القبور عن المنكرات الظاهرة، وعن التلاعب بمصالح الناس ومعايشهم، ويتَّهم ويصنف ويُشنع على من يسعى فيما يكون به صلاح المجتمع والوطن وعزُّ الأمة ورفعتها ! كل ذلك في سبيل تحقيق مصالحه الشخصية والحزبية والدنيوية وإن أنكره وصرخ بأعلى صوته وحلف بالأيمان المغلَّظة بأنه لا يفعل ذلك إلا من أجل الدين والمجتمع وفي سبيل المصلحة العامة، وفي الحقيقة والواقع أن أفعاله كلها تصب في تدمير المجتمع وإفساد الوطن وتضييع مصالح الأمة .

كم ضيَّع أولئك من مصالح للمجتمع وللوطن وللأمة في سبيل تحقيق مصالحهم الشخصية والحزبية والدنيوية ؟! وكم همَّشوا من كفاءات كان من الممكن الاستفادة منها في نفع المجتمع وبناء الوطن ونهضة الأمة ؟! كل ذلك ضُيع من أجل مصالح شخصية وحزبية ودنيوية !

مفاسد عديدة تم جلبها للمجتمع والوطن والأمة بسبب تقديم المصالح الشخصية والحزبية والدنيوية على مصالح المجتمع والوطن والأمة، حقوقٌ هُدرت، ومظالم وقعت، وخصومات ونزاعات وعداوات نشأت في مجتمعاتنا بسبب تقديم هذه المصالح الشخصية والحزبية والدنيوية، وقد استغل أعداء الأمة كل ذلك بل وغذوه وأمدوه بكل ما من شأنه أن يزيد من إثارته وشراسته وضراوته واشتعاله؛ حتى تكون السيادة والتفوق والعلو لهم في هذه الحياة الدنيا، وقد تناسى كل أولئك قول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: {وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} وقوله: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} .

أنَّى لمن انغمس في هذه الحياة الدنيا وشهواتها وملذاتها وذاق حلاوتها وربط مصالحه الشخصية بها أن يعي ما أقوله جيداً؛ فقد فتحت لهم الدنيا ذراعيها، وأقبلوا عليها إقبال الملهوف، وأكلوا من مائدتها أكل الجائع الشَّرِه، واعتادوا على العيش في ظل بساتينها وخُضرتها، وتنافسوا على تولي المناصب فيها بطرق لا يمكن أن تُقبل في الشريعة الإسلامية التي يُتاجر باسمها اليوم ويُتكسَّب من ورائها !

كل تلك الأقنعة التي لُبست في سبيل تحقيق المصالح الشخصية والحزبية والطائفية بدأت تتساقط اليوم، ولم تعد مجتمعاتنا الإسلامية تنخدع بتلك الأقنعة بدليل أنها قد أسقطت في الانتخابات النيابية في عدد من البلدان أولئك الذين استغلوا الدين استغلالاً بشعاً من أجل تحقيق مصالحهم الشخصية والحزبية والطائفية ونيل تلك المناصب الدنيوية مع أنهم كانوا في يومٍ من الأيام يرفعون راية "الدين" و"الإصلاح" و"العدالة"، ويزعمون بأن دخولهم في تلك الانتخابات لم يكن من أجل أمور دنيوية، ولكن أفعالهم كلها كانت تناقض أقوالهم وتتجه بخلاف ما زُعم، فقد استغل الكثير منهم مناصبهم في سبيل تحقيق مصالحهم الشخصية والحزبية والطائفية، وضربوا بعرض الحائط مصالح المجتمع والوطن والأمة، وبذلك كانوا سبباً في تراجع الأوضاع في مجتمعاتنا وأوطاننا، وصدق فيهم وفي أمثالهم قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تُبسط عليكم الدنيا كما بُسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتُهلِكَكُم كما أهلكتهم) .

أخيراً أقول: حُقَّ على كل من وقع في تقديم مصالحه الشخصية والحزبية والطائفية والدنيوية على بني قومه ومجتمعه ووطنه وأمته أن يُراجع ويُحاسب نفسه قبل أن يقف بين يدي الخالق جل وعلا للسؤال والحساب، فوالله إن هذه الدنيا لا تعدل عند الله جناح بعوضة كما جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء)، كما أنها زائلة وفانية بكل ما فيها، وهي دار ممر لا دار مستقر كما قال الله جل وعلا: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}، وقال سبحانه: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} .

يا رب أحسن نياتنا ومقاصدنا وأقوالنا وأعمالنا .

السبت، 31 أكتوبر 2020

رسولُ رب العالمين بقلم : د.أحمد العازمي

إن مما امتن الله تبارك وتعالى به على البشرية جمعاء أن أرسل لها خير رسله وخاتم أنبيائه محمد بن عبدالله صلى الله عليه وآله وسلم شاهداً ومبشراً ونذيراً ، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً ، كما قال الله تعالى : { هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ } [ الجمعة : 2 ] ، وقد اصطفى الله جل وعلا نبيه محمداً صلى الله عليه وآله وسلم ليكون نبياً ورسولاً كما اختار من كان قبله من الأنبياء والرسل { اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ } [الحج : 75]، وقد جاء بالمعجزات والبراهين الدالة على صدق نبوته ورسالته ، وكان أعظمها القرآن الكريم الذي جاء مصدقاً لما قبله من الكتب السماوية ، حيث قال الله تعالى : { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ ۚ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } [ المائدة : 48 ] ، وكانت دعوته عليه الصلاة والسلام قائمة على الإقناع بمضامين الرسالة لا الإكراه عليها ، انطلاقاً من قول الله جل وعلا : { لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } [البقرة: 256].

لقد أوجب الله سبحانه وتعالى على عباده الإيمان بجميع الأنبياء والرسل السابقين وعدم التفريق بين أحدٍ من أنبيائه ورسله في الإيمان والتصديق به فقال : { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ۚ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ۚ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۖ غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ } [البقرة: 285] ، وجعل الكفر بنيٍّ من الأنبياء كفر بهم جميعاً فقال : { إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا (150) أُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا } [ النساء : 150 – 151 ] ، وحرَّم السخرية والاستهزاء بالأنبياء والمرسلين وعدَّ ذلك من الكفر بالله سبحانه وتعالى ومما يوجب عقابه الشديد وعذابه الأليم فقال : { وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } [ الأنعام : 10 ] ، وقد حذرنا سبحانه من اتخاذ أولئك الذين اتخذوا ديننا لهواً ولعباً أولياء فقال: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } [ المائدة : 57 ] .

ولقد ساء كل مسلم ما تم نشره ببعض الصحف والمجلات الفرنسية من صورٍ مسيئةٍ للإسلام ولنبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وما تبع ذلك من تصريحات رسمية في فرنسا مؤيدة لتلك الصور المسيئة للدين الإسلامي ولنبي من أنبياء الله ورسله بحجة حرية الرأي والتعبير ، ظانين بأن مثل هذه الحجة يمكن أن تمنع أكثر من مليار وثمان مائة مليون مسلم من وجوب نصرة النبي عليه الصلاة والسلام ! ويريدون بذلك أن يستمروا بالإساءة والسخرية والاستهزاء وأن تتقبل الأمة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها كل ذلك بصدر رحب وهي تقرأ قول الله تعالى في وجوب اتباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتعظيمه ونصرته والدفاع عنه : { لِّتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا } [ الفتح : 9 ] وقوله سبحانه : {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 157]!

لا بد أن يعلم القادة السياسيين في فرنسا بأن الإساءة والاستهزاء والسخرية بالآخرين لا يمكن أن تكون في يومٍ من الأيام من قبيل حرية الرأي والتعبير ، وأن القوانين في الدول المدنية اليوم تجرِّم الإساءة والسخرية والاستهزاء بالآخرين، وهو ما لا يقبله حتى من دافع عن مثل هذه الإساءات على نفسه ، ولا يمكن أن توصف تلك الإساءات وتلك السخرية والاستهزاء إلا بقلة الوعي لخطورة ما تم الإقدام عليه ؛ وذلك أن كل عاقل لا يمكن أن يستفز الآخرين بالإساءة إليهم ثم لا يريد منهم أن يكون لهم أي ردة على فعل على استفزازهم والإساءة إليهم ، كما أن تلك الأقوال والأفعال الشنيعة تعتبر من قبيل الإساءة للأديان الأخرى، والتعدي على حريات الآخرين في المعتقد ، ولا يعبر عن روح التسامح مع أتباع الديانات الأخرى ، وهو مما يثير الكراهية والبغضاء بين أصحاب الديانات المختلفة في البلد الواحد ، ويضرب الأمن والسلم المجتمعي في مقتل ، وكل ذلك مما لا ترغب به أي دولة تدرك مصالحها وأهمية أمنها الوطني والقومي .

إننا اليوم كمسلمين ودعاةٍ إلى الله وأصحاب أقلام تدافع عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذ نستنكر أشد الاستنكار تلك الإساءات المتكررة بحق الإسلام والنبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم ، وما يُمارس بحق المسلمين من انتهاكات في فرنسا وغيرها لنحذر في الوقت ذاته من أي تصرف فردي خاطئ من شأنه أن يضر بمصالح الإسلام والمسلمين ، وعلى من كان لديه غيرة على الدين وعلى مقام النبوة أن يسلك الوسائل المشروعة في دفاعه عن الإسلام وعن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، كما أنه يجب على كافة الدول والمنظمات والهيئات والجمعيات الإسلامية اتخاذ خطوات عملية لمنع مثل تلك الإساءات وما يتعرض له المسلمون من مضايقات واعتداءات بسبب دينهم ، والتعاون في سبيل الحفاظ على حقوق المسلمين وممارستهم لشعائرهم الدينية دون انتقاص من شأنهم ولا اعتداءٍ عليهم .

لا بد على الإخوة الإعلاميين والكتاب والمفكرين والمثقفين وأصحاب الأموال من تجار المسلمين أن يكون لهم دورٌ اليوم قبل الغد في الدفاع عن الدين الإسلامي ونيل شرف نصرة النبي الكريم صلى الله عليه وآله وسلم ، وأن يكون لديهم خطة استراتيجية مدروسة بعناية من أجل ذلك ، متعاونين في سبيل تحقيق هذه الغاية النبيلة مع إخوانهم من الدعاة إلى الله جل وعلا والمؤسسات الإسلامية الفاعلة في بلدانهم وخارج بلدناهم .

مطلوبٌ من عموم المسلمين في حياتهم كلها حسن الاتباع للنبي عليه الصلاة والسلام ، والعمل على التعريف به وبما جاء به من الوحي الإلهي ، ونشر سنته ، والعمل بها في واقع حياتهم ، وتربية أبنائهم وبناتهم على محبة النبي صلوات الله وسلامه عليه ، مترجمين بذلك صدق محبتهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى واقع عملي ، وبهذا يتم تحقيق قول النبي عليه الصلاة والسلام : ( لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين )، ونُدرك بذلك حلاوة الإيمان التي قال في شأنها النبي المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم : ( ثلاثٌ من كنَّ فيه وجد حلاوة الإيمان : أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما ، وأن يُحبَّ المرء لا يحبه إلا لله ، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُقذف في النار ) .

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يُعيننا على حسن اتباع النبي عليه الصلاة والسلام ونيل شرف الدفاع عنه ونصرته، كما أسأله جل وعلا أن يوفق كل من عمل على نصرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا سيما تلك الشعوب الإسلامية التي ثارت لديها الحمية لنصرة النبي عليه الصلاة والسلام بما تملكه من إمكانيات وقدرات أثبتت تأثيرها على أرض الواقع { إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [ التوبة : 40 ] .


الجمعة، 26 يناير 2018

" أولى القبلتين " بقلم : أحمد عادل العازمي

إنَّ مما امتنَّ الله تبارك وتعالى به على عباده المؤمنين أن جعل لهم أماكن معينة يعظم فيها أجر وثواب العبادة ، ومن تلك الأمكنة مسجدٌ حباه الله عز وجل بالمنزلة العالية والمكانة الرفيعة والفضائل الجليلة ، ذلك المسجد الذي أسس من أول يومٍ على التقوى ، وعلى إفراد الله بالعبودية ، مسجدٌ له قُدسيته وطهره وصفاؤه ونقاؤه ، حلَّت فيه البركة وفاضت من حوله ، امتاز عن سائر المساجد بأن كان القبلة الأولى ، ذلك المسجد الذي أتحدث عنه هو المسجد الأقصى المبارك.
للمسجد الأقصى المبارك أسماء متعددة -وتعدد الأسماء كما يذكر العلماء يدل على عظيم المكانة والمنزلة لذلك المسمى- فيسمى المسجد الأقصى ؛ وذلك لبعده عن المسجد الحرام ، وقال بعضهم : لأنه أبعد المساجد التي تُزار ويبتغى في زيارتها الأجر والثواب من الله تعالى ، وقيل : لأنه لما بُني لم يكن وراءه موضع عبادة ، وقيل : لبعده عن الأقذار والخبائث ، وكلها معانٍ تصدق عليه ، ومن أسمائه كذلك بيت المقدس أي المكان المطهر من الذنوب والخطايا ، واشتقاقه من القُدُس أي الطهارة والبركة ، وبيت الله المقدَّس أي المطهَّر والمنزَّه .
تأتي مكانة هذا المسجد عند المسلمين من عدة جهات ، من ضمنها : كونه أولى القبلتين ، فقد كان المسلمون يصلون تجاه بيت المقدس قبل أن يتم تحويل القبلة إلى المسجد الحرام في قوله سبحانه : {قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ۗ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ}، حيث صلى المسلمون مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى بيت المقدس ستة عشر شهراً ، حتى نزلت الآية آنفة الذكر فوَلَّوا وجوههم قِبَلَ المسجد الحرام ، وليس أمر تحويل القبلة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام تقليلاً من شأنه أو إنقاصاً من قيمته ومنزلته ومكانته ، لا ، وإنما هو الابتلاء والاختبار للمؤمنين في متابعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ومكانة المسجد الأقصى العظيمة باقيةٌ في الإسلام ومحفوظة ، بدلالة ما ورد في شأنه من الفضائل، ويدلُّ على ذلك أيضاً أن رحلة الإسراء بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم كانت من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، وعروجه صلوات ربي وسلامه عليه كان من المسجد الأقصى إلى السماء حيث تم فرض الصلاة وهي أعظم ركن من أركان الإسلام بعد الشهادتين في ذلك العروج وفي تلك الليلة المباركة { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } ، ولا يخفى ما في ذلك كله من بيان وجه الارتباط الوثيق بين بيت المقدس والمسجد الحرام ، فمقدساتنا مرتبطةٌ بعضها ببعض ، وإن من يفرط اليوم بالمسجد الأقصى يفرط غداً ببقية المقدسات الإسلامية .
{ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } ، يقول الإمام السيوطي رحمه الله : ( فلو لم يكن لبيت المقدس من الفضيلة غير هذه الآية لكانت كافيةً ، وبجميع البركات وافية ؛ لأنه إذا بورك ما حوله فالبركة فيه مضاعفة .. ) .
بارك الله في المسجد الأقصى وبارك ما حوله ؛ وما ذاك إلا لعظم مكانته عند الله جل وعلا ، كيف لا وهو ثاني مسجد يوضع في الأرض لعبادة الله تبارك وتعالى بعد المسجد الحرام ، حيث لم يكن بينهما إلا أربعين عاماً ، فعن أبي ذرٍ رضي الله عنه قال : قلت يا رسول الله أيُّ مسجدٍ وُضع في الأرض أولاً ؟ قال : (المسجد الحرام) ، قلت : ثمَّ أي ؟ قال: ( المسجد الأقصى ) ، قلت : كم كان بينهما ؟ قال : ( أربعون سنة ، ثم أينما أدركتك الصلاة فصلِّه فإن الفضل فيه ) .
ومن جملة فضائل المسجد الأقصى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد جعله أحد المساجد الثلاثة التي لا تُشدُّ الرِحالُ إلا إليها للصلاة والعبادة ؛ وما ذاك إلا لعظيم فضله ومكانته في الإسلام ، قال صلى الله عليه وآله وسلم : ( لا تُشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ، والمسجد الأقصى ، ومسجدي هذا ) .
الصلاة في المسجد الأقصى صلاةٌ فاضلة مباركة ويدل على ذلك إضافةّ لما ذُكر صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم به عندما أُسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، حيث دخل المسجد وصلى فيه ركعتين كما ورد في الصحيح ، ومن هنا ترى حرص إخواننا في فلسطين على الصلاة في هذا المسجد المبارك الذي نسأل الله جل وعلا أن يحرره من أيدي اليهود الغاصبين وأن يرزقنا فيه صلاةً قبل الممات .
يقول الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري رضي الله عنه : تذاكرنا – ونحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم – أيهما أفضل : أمسجد رسول الله أم بيت المقدس ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( صلاةٌ في مسجدي أفضل من أربع صلواتٍ فيه ، ولنِعْمَ المصلى هو ، وليوشكنَّ أن يكون للرجل مثل شطنِ – أي حبل – فرسه من الأرض حيث يُرى منه بيت المقدس خيرٌ له من الدنيا جميعاً أو قال : خيرٌ له من الدنيا وما فيها ) .
في هذا الحديث النبوي الشريف يبين لنا النبي عليه الصلاة والسلام فضيلة بيت المقدس وأنه من خير البقاع التي يُصلى فيها ( ولنعم المصلى هو ) ، وأنه يأتي على الناس زمان يتمنى الواحد منهم أن يكون لديه موضع حبل يطل من خلاله على بيت المقدس ؛ لما له من مكانةٍ عظيمةٍ في نفوسهم وقلوبهم ، وهو ما يدل على تشوف المسلمين لتحرير هذا المسجد المبارك من أيدي المحتل ، ولكنهم قد يكونون لسببٍ أو لآخر عاجزين عن ذلك حتى أنهم يتمنون فقط النظر إليه ، وهي مرحلةٌ من مراحل الضعف التي قد تصاب بها الأمة، ولذلك نحن نبذل قصارى جهدنا في أن لا نصل لهذه المرحلة ، ومن هنا ترى المسلمين في شتى بقاع الأرض تأخذهم الحمية لنصرة المسجد الأقصى المبارك عندما يُصاب بأي أذى ؛ لما له من مكانةٍ عظيمةٍ في ديننا هذا أولاً ، ولئلا نصل إلى هذه المرحلة التي تكون فيها النفس منكسرةً أمام أعدائها وهم يجلدونهم ويقتلونهم ويعتدون على أعراضهم ويسلبون مقدساتهم أمام أعينهم .
إن قضية المسجد الأقصى المبارك قضيةٌ إسلاميةٌ أصيلة لا تتعلق بأهل بلدٍ معين ولا بجنسٍ ولا عرقٍ ؛ إذ تعلقها بكل من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وهو ما يجب أن نؤكد عليه دوماً ، وأن نغرسه في نفوس أبنائنا حتى يأتي ذلك اليوم الذي ينتصر فيه الحق على الباطل ، وتتحرر هذه الأرض الطيبة المباركة من أيدي اليهود المحتلين، ويمكّن الله عز وجل لأهل الإيمان من إقامة دينه وشرعه في تلك الأرض المقدسة ، وهو أمرٌ لا بد آت { وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ ۚ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ } ، { وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171)  إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ } .
تحرير بيت المقدس من أيدي اليهود الغاصبين يجب أن يكون همُّ كل مسلم ، وأن يبذل من أجله كل ما يستطيع ، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها .. يجب أن تكون هذه القضية حاضرة في مناهجنا الدراسية وفي وسائل إعلامنا وفي ندواتنا ومؤتمراتنا ومحافلنا الدولية .
لا يدفعُ الدمعُ عنا أيَّ نازلةٍ .. ولا يُعيدُ التغني زهوَ ماضينا
نرقى إلى المجدِ إن صحَّت عزائمُنا .. وبارك الله ما تبني مساعينا
صلاح الدين الأيوبي رحمه الله عاش طوال حياته من أجل هذه القضية حتى أكرمه الله عز وجل بتحرير بيت المقدس من أيدي الصليبيين الذين احتلوه لمدة إحدى وتسعين سنة ، رجلٌ صدق الله فصدقه الله ..كان بيت المقدس يعيش في قلبه قبل أن ينطق لسانه وسيفه بنصرته ، وكان كما يذكر أصحاب السير والتراجم في سيرته زاهداً في الدنيا وملذاتها ، قليل الطعام ، لا يتناول إلا الشيء اليسير ، ولما سئل عن سبب ذلك قال : (كيف يطيب لي الفرح والطعام ولذة المنام وبيت المقدس بأيدي الصليبيين ؟!) .

الأحد، 27 أغسطس 2017

مع أ.د.وليد العلي رحمه الله .. بقلم : أحمد العازمي

لا يعرف الإنسان في هذه الحياة متى يحين الأجل ، ومتى يكون موعد الفراق ، ولا تدري نفسٌ بأيِّ أرضٍ تموت ، والموفق من زكى نفسه ، وأحسن العمل لما بعد الموت ، واستعد للقاء ربه جلَّ وعلا .
ولا خير في عيشِ امرئٍ لم يكن له .. من الله في دارِ القرارِ نصيبُ
فإن تُعجِبِ الدُّنيا أُناساً فإنَّها .. متاعٌ قليلٌ والزَّوالُ قريبُ
أيادٍ آثمة اغتالت رمزاً من رموز العمل الدعوي والخيري في الكويت بل والعالم الإسلامي فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور وليد بن محمد العلي - عضو هيئة التدريس بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة الكويت - في حادثةٍ أليمةٍ وإرهابٍ دموي استهدف أناساً أبرياء في بوركينا فاسو ، وذلك ضمن رحلةٍ علميةٍ ودعويةٍ قام بها فضيلته برفقة عدد من إخوانه الدعاة ، فرحم الله الشيخ ورفاقه وإخوانه الذين راحوا ضحية الإرهاب الدموي الذي لا يفتأ يهدد أرواح الناس وحياتهم ، ويعكر عليهم صفو أمنهم واستقرارهم .
لقد كان ما حدث لفضيلة الشيخ د.وليد العلي فاجعة لجميع أهله وطلابه ، وصدمةً مهولةً على قلوب جميع محبيه ؛ وما ذاك إلا لما كان عليه من الأخلاق الفضيلة والسجايا النبيلة التي أورثت المحبة الصادقة في نفس كل من لقيه وتعرَّف عليه رحمه الله ، فابتسامته الجميلة لا تفارقه ، ونفسه الطيبة تصافحك قبل يده ، يأسرك بعذب كلامه ، وجميل عباراته ، لا يُضمر في نفسه إلا الخير ، وباطنه أفضلُ من ظاهره ، وسرُّه خيرٌ من علانيته .
لقد أكرمني الله تعالى بأن جعلني في فترة دراستي بالكويت أحد طلاب الشيخ رحمه الله ، فما سمعته ذكر أحداً بسوء ولو لمرةٍ واحدة ، بعيدٌ كلَّ البعد عن الطعن بالآخرين والتصنيف والهمز واللمز بإخوانه ، يعفو ويصفح ، ويغفر الزلَّة ، ولا يبحث عن العثرة ، وهو ما يبين لنا سلامة صدر الشيخ ، ونقاء قلبه وصفائه وطُهره، وسُمُوِّ نفسه ، وكراهتها سفاسف الأمور ، ومحبتها لمعاليها ومراقيها .
يخاطب طلابه وكأنهم أبناؤه وإخوانه ، ليس في عباراته لهم سوى الود والإخاء وخالص الدعاء لهم بالتوفيق والسداد والحفظ والرعاية ، ولا أذكر أن أحداً من الطلاب قد اشتكى يوماً ظلمه له في الدرجات أو تقصُّده إياه بالإيذاء بل على النقيض من ذلك ، فقد كان يُكرم طلبته في الدرجات ، ويعطيهم حقهم وزيادة على ذلك ؛ إحساناً له منهم ، وبُعداً عن ظلمهم ، وما حظي به من مكانةٍ في المجتمع والدولة لم يجعله يتعالى على أحدٍ من طلابه فضلاً عن أصحابه وزملائه ، وما أرسلت له رسالة نصية على هاتفه إلا وردَّ بأحسن منها رحمه الله ، وخصَّني بسببها بالدعاء ، فنِعْمَ الأستاذ كان ونِعْمَ المُربي .
وقد كان رحمه الله يولي الطلبة الوافدين عنايةً خاصةً ؛ محبةً له منهم ، وإعانةً لهم على تحقيق ما من أجله تركوا أهليهم وتغرَّبوا عن أوطانهم ، وكان يوصي زملاءه الأساتذة بالكلية بهم خيراً ، وقد  كلَّمته ذات مرةٍ بأن يعقد لطلبة مملكة البحرين الدارسين بجامعة الكويت دورة علمية خاصة بهم في " العقيدة الإسلامية وتاريخها " فما تردد لحظةً واحدةً في الموافقة على طلبي ، وتم بحمد الله الاتفاق على الموعد وتمت الدورة بالمسجد الكبير .
كان رحمه الله يقرر معتقد أهل السنة والجماعة بأدلةٍ ثابتة ، وأصولٍ رصينة ، وأجوبةٍ بديعة ، يدعو إلى الله على بصيرة وعلمٍ وهدى ورشاد ، قد أوتي حكمةً في الدعوة جعلته مقدماً على كثيرٍ من أقرانه ، فالوسطية والاعتدال منهجه ، والتوازن في الطرح ديدنه ، والرفق واللين سلوكه ، همُّه في هذه الحياة وشغله الشاغل نشر دين الله جلَّ وعلا ، فهو ما بين محاضرةٍ هنا أو دورةٍ علميةٍ هناك ، يعكف على التحقيق والتأليف الساعات الطوال ، فلا يكل ولا يمل ، ومؤلفاته وتحقيقاته شاهدةٌ على مدى جدِّه واجتهاده وهمَّته العالية ، رجلٌ قد صدق الله فصدقه الله .
قد أحبَّ الشيخ رحمه الله وطنَه فأحبَّهُ وطنُه ، ولطالما صدع من منبره بالحفاظ على الوطن ومكتسباته ، والتمسك بأمنه واستقراره ، وحذَّر من خلاله من الفرقة والاختلاف الذي يهدد كيان المجتمعات والأوطان ، وكانت الدعوة إلى اجتماع الكلمة والتآلف والتآخي والتصافي ووحدة الصف حاضرةً في خطبه تغمده الله بواسع رحمته .
إن كل ما سبق ذكره مما امتاز به فضيلة الشيخ وليد رحمة الله عليه ، وهو ما جعل ولاة الأمر بالكويت يثقون به وبسلامة فكره ومنهجه ، مما جعلهم يسندون إليه العديد من المهام المتعلقة بالدعوة بالكويت ، والتي من ضمنها : إمامته وخطابته بالمسجد الكبير ، وعضويته بلجنة إعداد الخطبة النموذجية بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ، وعضويته كذلك باللجنة العليا لجائزة الكويت الدولية لحفظ القرآن الكريم وقراءاته وتجويد تلاوته ، ولجنة اختبارات الأئمة والمؤذنين، ولجنة الوظائف الدينية ، والهيئة الشرعية لبيت الزكاة ، ولجنة تأهيل أصحاب الفكر المتطرِّف بالسجن المركزي ، هذا بالإضافة إلى عمله كأستاذٍ بقسم العقيدة والدعوة وتوليه منصب العميد المساعد لشؤون الأبحاث والاستشارات والتدريب بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة الكويت .. كل ذلك يدل على مدى الثقة التي كان يحظى بها الشيخ وليد رحمه الله .
ولا عجب أن يتأثر رأس الدولة بالكويت صاحب السمو الأمير الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح – حفظه الله - بوفاته ، فالكويت لم تفقد شخصاً عادياً وإنما فقدت رمزاً من رموزها، رمزٌ له أثره الكبير والبيِّن في الدولة ، وله جهوده البارزة في الدعوة إلى الحفاظ على أمن البلاد والسعي إلى إصلاح العباد .

رحم الله الشيخ د.وليد العلي وأسكنه فسيح جناته وبلغه مراتب الشهداء وربط على قلب أهله وطلابه ومحبيه ، وإن العين لتدمع ، وإن القلب ليحزن ، وإنا على فراقك يا شيخنا لمحزونون ، ولا نقول إلا ما يُرضي ربنا ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، اللهم أجرنا في مصيبتنا ، واخلفنا خيراً منها { وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ ، وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ، الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ، أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ } . 

الثلاثاء، 16 مايو 2017

مخابراتٌ في مجلس وزيرٍ سابق ! بقلم : أحمد العازمي

كان رجاء بن حيوة رحمه الله وزيراً ومستشاراً عند عدد من خلفاء بني أمية ، وكان كبير المنزلة عندهم ورفيع الشأن حتى تم إبعاده والاستغناء عن خدماته بعد وفاة عمر بن عبدالعزيز رحمه الله ؛ وذلك أنه كان سبباً في تولية عمر الخلافة من بعد سليمان بن عبدالملك وتقديمه على غيره من بني أمية إضافة إلى جملة من أعماله ومشوراته التي لم تكن محل الرضى من قبل العديد من أمراء بني أمية الظلمة .
لم يضر رجاء بن حيوة إبعاده وإقصاؤه عن مواطن صنع القرار ؛ وذلك أنه كان أحد العلماء العاملين بعلمهم الذين لم يزدهم قربهم من الخلفاء إلا رفعةً ومنزلةً ومحبةً في قلوب الناس ، ولهذا لما تم إعفاؤه من منصبه عاد ليكون مع بقية الناس الذين كانوا محبين له عالماً ووزيراً ، وأقبل على التعليم والتدريس ، ولم ينشغل أبداً في الانتقام لنفسه ، ولا بالمكائد والمؤامرات ضد السلطة الحاكمة ، ولم يؤسس حزباً ولا جماعةً يكون همُّها وهدفها إسقاط الدولة أو إفشالها ، وهذا هو الفرق بين الوزير الصادق الأمين الذي ينتمي لهذه الأمة ، ويعمل لمصلحتها ، ولما فيه رفعة شأنها ، وبين وزيرٍ خائنٍ للأمانة ومضيعٍ لها ، ولاؤه لدولٍ أجنبية تسعى لتفريق هذه الأمة وإضعافها .
إن محبة الناس لرجاء بن حيوة وشعبيته وما وضع الله له من القبول بينهم جعلت من قام بإبعاده يخشى منه لا سيما أنهم قد رأوا من حكمته وحنكته السياسية ما أبهرهم به أثناء توليه الوزارة ، وقد اجتمعت تلك الخشية منه مع عداوتهم له وحقدهم عليه ؛ وذلك أنه رحمه الله كان واقفاً مع الخليفة عمر بن عبدالعزيز رحمه لله في رد المظالم إلى أهلها ، وانتزاع ما في أيدي أولئك الأمراء الظلمة مما أخذوه واستولوا عليه بغير وجه حق ، فجاء الوقت للانتقام بوجهة نظرهم .
عيَّن الخليفة هشام بن عبد الملك شخصاً خاصاً يعمل عمل المخابرات بمراقبة الوزير السابق رجاء بن حيوة، فيحضر مجالسه ، ويكتب تقاريره ، ومن ثم يرفعها إليه ، فأدرك ذلك الشخص المهمة الموكلة إليه ، وبدأ العمل بما وكِّل به ، وكان يحاول الإيقاع برجاء ومصادمته مع الخليفة هشام ؛ حتى يرفع تقريراً يرضى به عنه ، ويرتقي عن طريقه في عمله على كتف رجاء إلا أن رجاء كان واعياً لتلك المكائد التي تُكاد له ، وكان أشد ذكاءً من ذلك الذي تم تعيينه كعنصرٍ " مخابراتي " عليه ، يعمل على مراقبته، ورفع التقارير عنه ليل نهار ، فقلب الطاولة عليه ، وأبان عن ضعفه ، وأوقعه في شرِّ شباكه ومكائده في حادثةٍ سجلها التاريخ.
كان رجاء جالساً في أحد المجالس التي يتذاكر فيها مع إخوانه ومحبيه وطلابه العلم ، ويذكِّر فيها بالله تعالى، فتذاكروا شكر نعم المولى جلَّ وعلا ، وكان مما قال : ( ما أحدٌ يقوم بشكر نعمة ) يريد أن يبين لهم بذلك أنه مهما حاولوا شكر نعم الله تعالى فإنهم لن يقدروا على إيفاء ذلك والقيام به حق القيام ؛ وذلك أن نعمه سبحانه كثيرةٌ لا تُحصى ، فما كان من ذلك الرجل المعيَّن لمراقبة رجاء – وقد كان على رأسه كساء – إلا أن يرفع الكساء من على رأسه ويقول : (ولا أمير المؤمنين ؟) ، فعجب من كان حاضراً المجلس من هذا الرجل ومن مقولته ، فقال له رجاء : ( وما ذِكْرُ أمير المؤمنين هنا ؟! وإنما هو رجلٌ من الناس ) ، يريد أن يقول له : ما مقصدك من هذا السؤال ؟! وما علاقة الخليفة بما نتذاكره ونتدارسه ؟! وعلامَ إقحام ذكره في المجلس ؟! ، ومكث ذلك الرجل برهةً حتى يغفل الناس عنه ثم خرج ، فالتفت رجاء نحوه فلم يره ، فقال : ( أُتيتُم من صاحب الكساء ، فإن دُعيتم فاستُحلفتُم فاحلفوا ) ، علم رحمه الله أن ذلك الرجل ذهب ليرفع تقريراً إلى الخليفة يتهمه فيه بانتقاص الخليفة والإساءة إليه !
وبينما هم جلوسٌ إذ جاء أحد حرس الخلافة إلى رجاء ؛ ليبلغه بأن الخليفة قد أمر بإحضاره ، وأن عليه مرافقته إلى مجلس الخليفة ، فذهب رجاء مع الحارس إلى الخليفة هشام بن عبدالملك ودخل عليه ، فقال له هشام : ( هيه يا رجاء ، يُذكر أمير المؤمنين فلا تحتجُّ له ؟! ) ، فسأله رجاء : (وما ذاك يا أمير المؤمنين ؟)، فذكر له هشام ما حدث في المجلس ، فقال رجاء : ( لم يكن ذلك ) ، فاستغرب هشام من إنكار رجاء والتقرير المرفوع إليه يُثبت خلاف ذلك مع علم ويقين هشام بأن رجاء لا يمكن أن يكذب – وقد كان إنكاره رحمه الله لتهمة الانتقاص من شأن الخليفة والإساءة إليه - ، فاستحلفه وقال : ( آ الله ؟ ) قال : ( آ الله ) ، فما كان من هشام إلا أن يستشيط غضباً ، ويأمر بذلك الرجل الساعي أن يُضرب سبعين سوطاً ، يقول رجاء : ( فخرجت وهو متلوثٌ بدمه ) .
إنكار رجاء بن حيوة لما طرحه عليه الخليفة وعدم إقراره به أثار استغراب ذلك الرجل " المخابراتي " صاحب الكساء ، فقال لرجاء : ( هذا وأنت رجاء بن حيوة ! ) فقال له : ( سبعين سوطاً في ظهرك خيرٌ من دمِ مؤمن ) ، وكان رجاء بعد ذلك إذا جلس في مجلسٍ يتلفَّت ويقول : ( احذروا صاحب الكساء ) .