الأحد، 25 مارس 2018

غُربة الكوادر الوطنية بجامعة البحرين ! بقلم : راشد أحمد راشد


أكد صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد الأمين حفظه الله ورعاه في تصريحٍ سابقٍ له على أهمية الاستثمار في المواطن البحريني ، وبناء قدراته لمواجهة تحديات المستقبل ، معللاً ذلك بأن المواطن الثروة الأعز بما يمتلكه من إمكانيات وقدرات يسخرها بإخلاص وطني للإسهام في مواصلة نماء الوطن وعزته .
كما نوه صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان رئيس الوزراء الموقر في تصريحٍ سابق نُشر في الصحف المحلية بما تزخر به مملكة البحرين من كفاءات وطنية أثرت مسيرة التنمية والتطوير في المملكة ، وكانت المحركات الرئيسة التي تستند عليها الحكومة في مسيرة النهضة والتطور ، وكان مما قاله حفظه الله : ( الحكومة لديها إيمان راسخ بأن المواطن البحريني هو الثروة الحقيقية لهذا الوطن ) .
لقد أدرك قادة هذه البلاد حفظهم الله بأنه لا سبيل للنهوض بالوطن إلا عبر المواطن الذي يسعى للارتقاء بوطنه، ولا يكون الارتقاء بالوطن كما يعلم الجميع إلا عبر التشجيع على العلم والتعلم ، فبالعلم تبنى الأوطان وترتقي وتتطور، ومن هنا كان اهتمام القيادة الكريمة بجامعة البحرين ذلك الصرح الوطني الذي يكمل سلسلة الارتقاء العلمي والمعرفي للمواطن ، فينتج عنه ذلك المواطن الصالح البناء المعطاء الذي يساهم بعزمه وإرادته في نهضة وطنه ، فتجده في المقدمة في كل أمر يستدعي نهضة وطنه ومجتمعه ، فهكذا نشأ ، وهكذا تربى ، وما كلمات قادة هذه البلاد حفظهم الله في هذا الصدد إلا أكبر شاهدٍ على ذلك ، ومن هنا استحق أن يوصف " بالثروة الحقيقية " .
إن الاهتمام بالكوادر الوطنية وتقديمها على غيرها ليس أمراً اختيارياً وإنما هو واجبٌ بحسب ما وجه به قادة هذه البلاد ، وبحسب ما تم وضعه من أنظمةٍ وتشريعات وقوانين ، وإن مما يؤسف له أن واحدةً من أكبر مؤسسات الدولة وهي جامعة البحرين - ذلك الصرح الأكاديمي العريق - قد بات مرتعاً لتهميش الكوادر الوطنية ، ومخالفة توجيهات قادة هذه البلاد ، وأنظمتها وتشريعاتها وقوانينها ، حيث أن الناظر في العديد من الأقسام بالجامعة يرى تهميشاً واضحاً وبيِّناً للكوادر الوطنية على أساس الطائفية أو الحزبية أو الانتمائية الفكرية ، ما يؤدي إلى هدر تلك الطاقات الوطنية المخلصة ، والتي يشهد لها القاصي والداني بالبذل والعطاء ، ولا أدل على ذلك من قيام العديد من الكليات والأقسام بإلغاء شرط المواطنة للتقديم على سلك التدريس بها في مخالفة صريحة لقانون الخدمة المدنية ولائحته التنفيذية، ووضعها للشروط التعجيزية والتعسُّفية فقط من أجل إقصاء الكوادر الوطنية !
من تلك الشروط التعسُّفية التي تم وضعها لإقصاء الكوادر الوطنية : اشتراط أن يكون المتقدم بدرجة علمية معينة لا يحصل عليها إلا من باب الترقية إذا كان أستاذاً بالجامعة أصلاً ! وأن يكون لدى المتقدم خبرة ثلاث سنوات في التدريس بإحدى الجامعات ! وأن يكون خبيراً بوضع المناهج الدراسية وتطويرها ، وحاملاً لشهادة الدبلوم في التربية ، وأن يكون لديه أبحاث عديدة منشورة في المجلات العلمية المحكمة وكتب وإصدارات ومؤلفات ، كل هذه الشروط التعسُّفية لم توضع إلا من أجل إقصاء الكوادر الوطنية للأسف وأكثر هذه الشروط تعسُّفاً هو ما تم وضعه بكلية الآداب في إعلانات التوظيف المنشورة مؤخراً! ويكفيك مثالاً أن الإخوة بشعبة الدراسات الإسلامية يرغبون بتعيين أستاذ متخصص في القراءات القرآنية وهم ليس لديهم مادة واحدة في التجويد فضلاً عن القراءات القرآنية ، كما أنهم قد تعاقدوا مع أستاذٍ في العقيدة بزعم الحاجة إليه وعدم الحاجة لأستاذٍ في الفقه والأصول وعندما قدم إلى البحرين تم إسناد مقررات دراسية متعلقة بالفقه والأصول إليه وهو ما تم فعله كذلك مع أستاذٍ متخصص بالحديث قد تم إسناد مقررات متعلقة بالمعاملات المالية إليه في انتهاكٍ صارخٍ لمبدأ احترام التخصص ، وهو الأمر الذي يكشف كذلك عن تعمُّد تهميش الكوادر الوطنية من أصحاب الكفاءة والشهادات العليا ، وكذلك الشأن في قسم الإعلام الذي يرغب بتعيين أستاذ في العلاقات الدولية ولكن تخصصه العام في الإعلام! أهكذا يكون الحرص على جودة التعليم بجامعة البحرين ؟! أولا يعلم الإخوة بهذا القسم بأن تخصص العلاقات الدولية هو تخصصٌ ضمن العلوم السياسية وليس الإعلام ؟! وأن هناك كليات قائمة في مختلف الدول تحت مسمى العلاقات الدولية والدبلوماسية ؟!
إن بعضاً ممن لا يرغبون بأن يتم التمكين للكوادر الوطنية في جامعة البحرين ممن لديهم القوة والنفوذ داخل الجامعة تراهم يبذلون غاية ما يستطيعون من أجل تحقيق مرادهم ، ففي كثيرٍ من الأحيان لا تقوم تلك الأقسام بالإعلان عن الوظائف الشاغرة كما هو حاصل في قسم العلوم الاجتماعية بكلية الآداب مثلاً ، وإن تم الإعلان فهو لا يعدو أن يكون إعلاناً شكلياً ؛ إذ قد تم حسم أمر التعيين في تلك الوظيفة لفلان أو علان ممن ينتمي إلى نفس الجنسية أو الطائفة أو الحزب أو الفكر الذي يغلب على القسم !
ولربما بلغ الأمر مبلغه فيتم التعاقد مع بعض الأساتذة من الخارج ممن يحملون نفس التوجه الفكري الغالب على القسم على حساب تلك الكوادر الوطنية الأصيلة التي لا تقل كفاءةً عن أولئك الذين تم التعاقد معهم من الخارج، ناهيكم عن الكلفة المادية التي يتم تحميلها للدولة مقارنةً بالمواطن البحريني .
إن كل تلك الممارسات لا يمكن أن تصدر عن شخصٍ يحمل في داخله حساً وطنياً صادقاً ، ومعلومٌ عند كل ذي بصيرة أن من يعمل لطائفته أو حزبه أو انتمائه الفكري أنه لا يبني بلداً ، ولا يعمر وطناً ، وفرقٌ بين من يمسك العصا ليدير مسيرة الوطن وبين من يضعها لعرقلة تلك المسيرة بالتمكين للطائفة أو الحزب أو التوجه الفكري.
لا شك أن هذه القضية تشكل منعطفاً خطيراً في مسيرة الوطن ؛ إذ أنها تؤدي بالضرورة إلى إحداث شرخٍ في بناء الوطن ، وتحول دون النهوض بالمواطن والارتقاء به علمياً ومعرفياً في إطار حب الوطن والولاء للقيادة الرشيدة في ظل حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة حفظه الله ورعاه على طاعته ومرضاته.
ختاماً أقول : إن المسؤولية على رئاسة جامعة البحرين كبيرة في رد الاعتبار للكوادر الوطنية المهمشة والمغيبة عن الجامعة ، وهذا يستوجب عليها وضع استراتيجية واضحة لا لبس فيها من أجل تمكين الكوادر الوطنية في مختلف الأقسام بالجامعة ، وفق آليةٍ جديدةٍ محددة بخطة زمنية مع التشديد على مراقبة تطبيق تلك الاستراتيجية والآلية ، ومراجعة العقود المؤقتة مع المتعاقد معهم من الخارج بشكلٍ دوري مستمر لإحلال الكوادر الوطنية مكانها في المستقبل القريب ، وتأهيل الكوادر الوطنية في التخصصات التي تفتقر إليها الأقسام بالجامعة وفقاً لرؤية القيادة الرشيدة الساعية لتمكين الكوادر الوطنية في جميع مرافق الدولة ومؤسساتها ؛ ليثمر العطاء ، ويكتمل البناء .

الجمعة، 26 يناير 2018

" أولى القبلتين " بقلم : أحمد عادل العازمي

إنَّ مما امتنَّ الله تبارك وتعالى به على عباده المؤمنين أن جعل لهم أماكن معينة يعظم فيها أجر وثواب العبادة ، ومن تلك الأمكنة مسجدٌ حباه الله عز وجل بالمنزلة العالية والمكانة الرفيعة والفضائل الجليلة ، ذلك المسجد الذي أسس من أول يومٍ على التقوى ، وعلى إفراد الله بالعبودية ، مسجدٌ له قُدسيته وطهره وصفاؤه ونقاؤه ، حلَّت فيه البركة وفاضت من حوله ، امتاز عن سائر المساجد بأن كان القبلة الأولى ، ذلك المسجد الذي أتحدث عنه هو المسجد الأقصى المبارك.
للمسجد الأقصى المبارك أسماء متعددة -وتعدد الأسماء كما يذكر العلماء يدل على عظيم المكانة والمنزلة لذلك المسمى- فيسمى المسجد الأقصى ؛ وذلك لبعده عن المسجد الحرام ، وقال بعضهم : لأنه أبعد المساجد التي تُزار ويبتغى في زيارتها الأجر والثواب من الله تعالى ، وقيل : لأنه لما بُني لم يكن وراءه موضع عبادة ، وقيل : لبعده عن الأقذار والخبائث ، وكلها معانٍ تصدق عليه ، ومن أسمائه كذلك بيت المقدس أي المكان المطهر من الذنوب والخطايا ، واشتقاقه من القُدُس أي الطهارة والبركة ، وبيت الله المقدَّس أي المطهَّر والمنزَّه .
تأتي مكانة هذا المسجد عند المسلمين من عدة جهات ، من ضمنها : كونه أولى القبلتين ، فقد كان المسلمون يصلون تجاه بيت المقدس قبل أن يتم تحويل القبلة إلى المسجد الحرام في قوله سبحانه : {قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ ۖ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ۚ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ۗ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ}، حيث صلى المسلمون مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى بيت المقدس ستة عشر شهراً ، حتى نزلت الآية آنفة الذكر فوَلَّوا وجوههم قِبَلَ المسجد الحرام ، وليس أمر تحويل القبلة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام تقليلاً من شأنه أو إنقاصاً من قيمته ومنزلته ومكانته ، لا ، وإنما هو الابتلاء والاختبار للمؤمنين في متابعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ومكانة المسجد الأقصى العظيمة باقيةٌ في الإسلام ومحفوظة ، بدلالة ما ورد في شأنه من الفضائل، ويدلُّ على ذلك أيضاً أن رحلة الإسراء بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم كانت من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، وعروجه صلوات ربي وسلامه عليه كان من المسجد الأقصى إلى السماء حيث تم فرض الصلاة وهي أعظم ركن من أركان الإسلام بعد الشهادتين في ذلك العروج وفي تلك الليلة المباركة { سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } ، ولا يخفى ما في ذلك كله من بيان وجه الارتباط الوثيق بين بيت المقدس والمسجد الحرام ، فمقدساتنا مرتبطةٌ بعضها ببعض ، وإن من يفرط اليوم بالمسجد الأقصى يفرط غداً ببقية المقدسات الإسلامية .
{ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } ، يقول الإمام السيوطي رحمه الله : ( فلو لم يكن لبيت المقدس من الفضيلة غير هذه الآية لكانت كافيةً ، وبجميع البركات وافية ؛ لأنه إذا بورك ما حوله فالبركة فيه مضاعفة .. ) .
بارك الله في المسجد الأقصى وبارك ما حوله ؛ وما ذاك إلا لعظم مكانته عند الله جل وعلا ، كيف لا وهو ثاني مسجد يوضع في الأرض لعبادة الله تبارك وتعالى بعد المسجد الحرام ، حيث لم يكن بينهما إلا أربعين عاماً ، فعن أبي ذرٍ رضي الله عنه قال : قلت يا رسول الله أيُّ مسجدٍ وُضع في الأرض أولاً ؟ قال : (المسجد الحرام) ، قلت : ثمَّ أي ؟ قال: ( المسجد الأقصى ) ، قلت : كم كان بينهما ؟ قال : ( أربعون سنة ، ثم أينما أدركتك الصلاة فصلِّه فإن الفضل فيه ) .
ومن جملة فضائل المسجد الأقصى أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد جعله أحد المساجد الثلاثة التي لا تُشدُّ الرِحالُ إلا إليها للصلاة والعبادة ؛ وما ذاك إلا لعظيم فضله ومكانته في الإسلام ، قال صلى الله عليه وآله وسلم : ( لا تُشدُّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ، والمسجد الأقصى ، ومسجدي هذا ) .
الصلاة في المسجد الأقصى صلاةٌ فاضلة مباركة ويدل على ذلك إضافةّ لما ذُكر صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم به عندما أُسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، حيث دخل المسجد وصلى فيه ركعتين كما ورد في الصحيح ، ومن هنا ترى حرص إخواننا في فلسطين على الصلاة في هذا المسجد المبارك الذي نسأل الله جل وعلا أن يحرره من أيدي اليهود الغاصبين وأن يرزقنا فيه صلاةً قبل الممات .
يقول الصحابي الجليل أبو ذر الغفاري رضي الله عنه : تذاكرنا – ونحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم – أيهما أفضل : أمسجد رسول الله أم بيت المقدس ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : ( صلاةٌ في مسجدي أفضل من أربع صلواتٍ فيه ، ولنِعْمَ المصلى هو ، وليوشكنَّ أن يكون للرجل مثل شطنِ – أي حبل – فرسه من الأرض حيث يُرى منه بيت المقدس خيرٌ له من الدنيا جميعاً أو قال : خيرٌ له من الدنيا وما فيها ) .
في هذا الحديث النبوي الشريف يبين لنا النبي عليه الصلاة والسلام فضيلة بيت المقدس وأنه من خير البقاع التي يُصلى فيها ( ولنعم المصلى هو ) ، وأنه يأتي على الناس زمان يتمنى الواحد منهم أن يكون لديه موضع حبل يطل من خلاله على بيت المقدس ؛ لما له من مكانةٍ عظيمةٍ في نفوسهم وقلوبهم ، وهو ما يدل على تشوف المسلمين لتحرير هذا المسجد المبارك من أيدي المحتل ، ولكنهم قد يكونون لسببٍ أو لآخر عاجزين عن ذلك حتى أنهم يتمنون فقط النظر إليه ، وهي مرحلةٌ من مراحل الضعف التي قد تصاب بها الأمة، ولذلك نحن نبذل قصارى جهدنا في أن لا نصل لهذه المرحلة ، ومن هنا ترى المسلمين في شتى بقاع الأرض تأخذهم الحمية لنصرة المسجد الأقصى المبارك عندما يُصاب بأي أذى ؛ لما له من مكانةٍ عظيمةٍ في ديننا هذا أولاً ، ولئلا نصل إلى هذه المرحلة التي تكون فيها النفس منكسرةً أمام أعدائها وهم يجلدونهم ويقتلونهم ويعتدون على أعراضهم ويسلبون مقدساتهم أمام أعينهم .
إن قضية المسجد الأقصى المبارك قضيةٌ إسلاميةٌ أصيلة لا تتعلق بأهل بلدٍ معين ولا بجنسٍ ولا عرقٍ ؛ إذ تعلقها بكل من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وهو ما يجب أن نؤكد عليه دوماً ، وأن نغرسه في نفوس أبنائنا حتى يأتي ذلك اليوم الذي ينتصر فيه الحق على الباطل ، وتتحرر هذه الأرض الطيبة المباركة من أيدي اليهود المحتلين، ويمكّن الله عز وجل لأهل الإيمان من إقامة دينه وشرعه في تلك الأرض المقدسة ، وهو أمرٌ لا بد آت { وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4بِنَصْرِ اللَّهِ ۚ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ } ، { وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171)  إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ (172وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ } .
تحرير بيت المقدس من أيدي اليهود الغاصبين يجب أن يكون همُّ كل مسلم ، وأن يبذل من أجله كل ما يستطيع ، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها .. يجب أن تكون هذه القضية حاضرة في مناهجنا الدراسية وفي وسائل إعلامنا وفي ندواتنا ومؤتمراتنا ومحافلنا الدولية .
لا يدفعُ الدمعُ عنا أيَّ نازلةٍ .. ولا يُعيدُ التغني زهوَ ماضينا
نرقى إلى المجدِ إن صحَّت عزائمُنا .. وبارك الله ما تبني مساعينا
صلاح الدين الأيوبي رحمه الله عاش طوال حياته من أجل هذه القضية حتى أكرمه الله عز وجل بتحرير بيت المقدس من أيدي الصليبيين الذين احتلوه لمدة إحدى وتسعين سنة ، رجلٌ صدق الله فصدقه الله ..كان بيت المقدس يعيش في قلبه قبل أن ينطق لسانه وسيفه بنصرته ، وكان كما يذكر أصحاب السير والتراجم في سيرته زاهداً في الدنيا وملذاتها ، قليل الطعام ، لا يتناول إلا الشيء اليسير ، ولما سئل عن سبب ذلك قال : (كيف يطيب لي الفرح والطعام ولذة المنام وبيت المقدس بأيدي الصليبيين ؟!) .

الأحد، 27 أغسطس 2017

مع أ.د.وليد العلي رحمه الله .. بقلم : أحمد العازمي

لا يعرف الإنسان في هذه الحياة متى يحين الأجل ، ومتى يكون موعد الفراق ، ولا تدري نفسٌ بأيِّ أرضٍ تموت ، والموفق من زكى نفسه ، وأحسن العمل لما بعد الموت ، واستعد للقاء ربه جلَّ وعلا .
ولا خير في عيشِ امرئٍ لم يكن له .. من الله في دارِ القرارِ نصيبُ
فإن تُعجِبِ الدُّنيا أُناساً فإنَّها .. متاعٌ قليلٌ والزَّوالُ قريبُ
أيادٍ آثمة اغتالت رمزاً من رموز العمل الدعوي والخيري في الكويت بل والعالم الإسلامي فضيلة الشيخ الأستاذ الدكتور وليد بن محمد العلي - عضو هيئة التدريس بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة الكويت - في حادثةٍ أليمةٍ وإرهابٍ دموي استهدف أناساً أبرياء في بوركينا فاسو ، وذلك ضمن رحلةٍ علميةٍ ودعويةٍ قام بها فضيلته برفقة عدد من إخوانه الدعاة ، فرحم الله الشيخ ورفاقه وإخوانه الذين راحوا ضحية الإرهاب الدموي الذي لا يفتأ يهدد أرواح الناس وحياتهم ، ويعكر عليهم صفو أمنهم واستقرارهم .
لقد كان ما حدث لفضيلة الشيخ د.وليد العلي فاجعة لجميع أهله وطلابه ، وصدمةً مهولةً على قلوب جميع محبيه ؛ وما ذاك إلا لما كان عليه من الأخلاق الفضيلة والسجايا النبيلة التي أورثت المحبة الصادقة في نفس كل من لقيه وتعرَّف عليه رحمه الله ، فابتسامته الجميلة لا تفارقه ، ونفسه الطيبة تصافحك قبل يده ، يأسرك بعذب كلامه ، وجميل عباراته ، لا يُضمر في نفسه إلا الخير ، وباطنه أفضلُ من ظاهره ، وسرُّه خيرٌ من علانيته .
لقد أكرمني الله تعالى بأن جعلني في فترة دراستي بالكويت أحد طلاب الشيخ رحمه الله ، فما سمعته ذكر أحداً بسوء ولو لمرةٍ واحدة ، بعيدٌ كلَّ البعد عن الطعن بالآخرين والتصنيف والهمز واللمز بإخوانه ، يعفو ويصفح ، ويغفر الزلَّة ، ولا يبحث عن العثرة ، وهو ما يبين لنا سلامة صدر الشيخ ، ونقاء قلبه وصفائه وطُهره، وسُمُوِّ نفسه ، وكراهتها سفاسف الأمور ، ومحبتها لمعاليها ومراقيها .
يخاطب طلابه وكأنهم أبناؤه وإخوانه ، ليس في عباراته لهم سوى الود والإخاء وخالص الدعاء لهم بالتوفيق والسداد والحفظ والرعاية ، ولا أذكر أن أحداً من الطلاب قد اشتكى يوماً ظلمه له في الدرجات أو تقصُّده إياه بالإيذاء بل على النقيض من ذلك ، فقد كان يُكرم طلبته في الدرجات ، ويعطيهم حقهم وزيادة على ذلك ؛ إحساناً له منهم ، وبُعداً عن ظلمهم ، وما حظي به من مكانةٍ في المجتمع والدولة لم يجعله يتعالى على أحدٍ من طلابه فضلاً عن أصحابه وزملائه ، وما أرسلت له رسالة نصية على هاتفه إلا وردَّ بأحسن منها رحمه الله ، وخصَّني بسببها بالدعاء ، فنِعْمَ الأستاذ كان ونِعْمَ المُربي .
وقد كان رحمه الله يولي الطلبة الوافدين عنايةً خاصةً ؛ محبةً له منهم ، وإعانةً لهم على تحقيق ما من أجله تركوا أهليهم وتغرَّبوا عن أوطانهم ، وكان يوصي زملاءه الأساتذة بالكلية بهم خيراً ، وقد  كلَّمته ذات مرةٍ بأن يعقد لطلبة مملكة البحرين الدارسين بجامعة الكويت دورة علمية خاصة بهم في " العقيدة الإسلامية وتاريخها " فما تردد لحظةً واحدةً في الموافقة على طلبي ، وتم بحمد الله الاتفاق على الموعد وتمت الدورة بالمسجد الكبير .
كان رحمه الله يقرر معتقد أهل السنة والجماعة بأدلةٍ ثابتة ، وأصولٍ رصينة ، وأجوبةٍ بديعة ، يدعو إلى الله على بصيرة وعلمٍ وهدى ورشاد ، قد أوتي حكمةً في الدعوة جعلته مقدماً على كثيرٍ من أقرانه ، فالوسطية والاعتدال منهجه ، والتوازن في الطرح ديدنه ، والرفق واللين سلوكه ، همُّه في هذه الحياة وشغله الشاغل نشر دين الله جلَّ وعلا ، فهو ما بين محاضرةٍ هنا أو دورةٍ علميةٍ هناك ، يعكف على التحقيق والتأليف الساعات الطوال ، فلا يكل ولا يمل ، ومؤلفاته وتحقيقاته شاهدةٌ على مدى جدِّه واجتهاده وهمَّته العالية ، رجلٌ قد صدق الله فصدقه الله .
قد أحبَّ الشيخ رحمه الله وطنَه فأحبَّهُ وطنُه ، ولطالما صدع من منبره بالحفاظ على الوطن ومكتسباته ، والتمسك بأمنه واستقراره ، وحذَّر من خلاله من الفرقة والاختلاف الذي يهدد كيان المجتمعات والأوطان ، وكانت الدعوة إلى اجتماع الكلمة والتآلف والتآخي والتصافي ووحدة الصف حاضرةً في خطبه تغمده الله بواسع رحمته .
إن كل ما سبق ذكره مما امتاز به فضيلة الشيخ وليد رحمة الله عليه ، وهو ما جعل ولاة الأمر بالكويت يثقون به وبسلامة فكره ومنهجه ، مما جعلهم يسندون إليه العديد من المهام المتعلقة بالدعوة بالكويت ، والتي من ضمنها : إمامته وخطابته بالمسجد الكبير ، وعضويته بلجنة إعداد الخطبة النموذجية بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية ، وعضويته كذلك باللجنة العليا لجائزة الكويت الدولية لحفظ القرآن الكريم وقراءاته وتجويد تلاوته ، ولجنة اختبارات الأئمة والمؤذنين، ولجنة الوظائف الدينية ، والهيئة الشرعية لبيت الزكاة ، ولجنة تأهيل أصحاب الفكر المتطرِّف بالسجن المركزي ، هذا بالإضافة إلى عمله كأستاذٍ بقسم العقيدة والدعوة وتوليه منصب العميد المساعد لشؤون الأبحاث والاستشارات والتدريب بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة الكويت .. كل ذلك يدل على مدى الثقة التي كان يحظى بها الشيخ وليد رحمه الله .
ولا عجب أن يتأثر رأس الدولة بالكويت صاحب السمو الأمير الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح – حفظه الله - بوفاته ، فالكويت لم تفقد شخصاً عادياً وإنما فقدت رمزاً من رموزها، رمزٌ له أثره الكبير والبيِّن في الدولة ، وله جهوده البارزة في الدعوة إلى الحفاظ على أمن البلاد والسعي إلى إصلاح العباد .

رحم الله الشيخ د.وليد العلي وأسكنه فسيح جناته وبلغه مراتب الشهداء وربط على قلب أهله وطلابه ومحبيه ، وإن العين لتدمع ، وإن القلب ليحزن ، وإنا على فراقك يا شيخنا لمحزونون ، ولا نقول إلا ما يُرضي ربنا ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، اللهم أجرنا في مصيبتنا ، واخلفنا خيراً منها { وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ ، وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ، الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ، أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ } . 

الثلاثاء، 16 مايو 2017

مخابراتٌ في مجلس وزيرٍ سابق ! بقلم : أحمد العازمي

كان رجاء بن حيوة رحمه الله وزيراً ومستشاراً عند عدد من خلفاء بني أمية ، وكان كبير المنزلة عندهم ورفيع الشأن حتى تم إبعاده والاستغناء عن خدماته بعد وفاة عمر بن عبدالعزيز رحمه الله ؛ وذلك أنه كان سبباً في تولية عمر الخلافة من بعد سليمان بن عبدالملك وتقديمه على غيره من بني أمية إضافة إلى جملة من أعماله ومشوراته التي لم تكن محل الرضى من قبل العديد من أمراء بني أمية الظلمة .
لم يضر رجاء بن حيوة إبعاده وإقصاؤه عن مواطن صنع القرار ؛ وذلك أنه كان أحد العلماء العاملين بعلمهم الذين لم يزدهم قربهم من الخلفاء إلا رفعةً ومنزلةً ومحبةً في قلوب الناس ، ولهذا لما تم إعفاؤه من منصبه عاد ليكون مع بقية الناس الذين كانوا محبين له عالماً ووزيراً ، وأقبل على التعليم والتدريس ، ولم ينشغل أبداً في الانتقام لنفسه ، ولا بالمكائد والمؤامرات ضد السلطة الحاكمة ، ولم يؤسس حزباً ولا جماعةً يكون همُّها وهدفها إسقاط الدولة أو إفشالها ، وهذا هو الفرق بين الوزير الصادق الأمين الذي ينتمي لهذه الأمة ، ويعمل لمصلحتها ، ولما فيه رفعة شأنها ، وبين وزيرٍ خائنٍ للأمانة ومضيعٍ لها ، ولاؤه لدولٍ أجنبية تسعى لتفريق هذه الأمة وإضعافها .
إن محبة الناس لرجاء بن حيوة وشعبيته وما وضع الله له من القبول بينهم جعلت من قام بإبعاده يخشى منه لا سيما أنهم قد رأوا من حكمته وحنكته السياسية ما أبهرهم به أثناء توليه الوزارة ، وقد اجتمعت تلك الخشية منه مع عداوتهم له وحقدهم عليه ؛ وذلك أنه رحمه الله كان واقفاً مع الخليفة عمر بن عبدالعزيز رحمه لله في رد المظالم إلى أهلها ، وانتزاع ما في أيدي أولئك الأمراء الظلمة مما أخذوه واستلوا عليه بغير وجه حق ، فجاء الوقت للانتقام بوجهة نظرهم .
عيَّن الخليفة هشام بن عبد الملك شخصاً خاصاً يعمل عمل المخابرات بمراقبة الوزير السابق رجاء بن حيوة، فيحضر مجالسه ، ويكتب تقاريره ، ومن ثم يرفعها إليه ، فأدرك ذلك الشخص المهمة الموكلة إليه ، وبدأ العمل بما وكِّل به ، وكان يحاول الإيقاع برجاء ومصادمته مع الخليفة هشام ؛ حتى يرفع تقريراً يرضى به عنه ، ويرتقي عن طريقه في عمله على كتف رجاء إلا أن رجاء كان واعياً لتلك المكائد التي تُكاد له ، وكان أشد ذكاءً من ذلك الذي تم تعيينه كعنصرٍ " مخابراتي " عليه ، يعمل على مراقبته، ورفع التقارير عنه ليل نهار ، فقلب الطاولة عليه ، وأبان عن ضعفه ، وأوقعه في شرِّ شباكه ومكائده في حادثةٍ سجلها التاريخ.
كان رجاء جالساً في أحد المجالس التي يتذاكر فيها مع إخوانه ومحبيه وطلابه العلم ، ويذكِّر فيها بالله تعالى، فتذاكروا شكر نعم المولى جلَّ وعلا ، وكان مما قال : ( ما أحدٌ يقوم بشكر نعمة ) يريد أن يبين لهم بذلك أنه مهما حاولوا شكر نعم الله تعالى فإنهم لن يقدروا على إيفاء ذلك والقيام به حق القيام ؛ وذلك أن نعمه سبحانه كثيرةٌ لا تُحصى ، فما كان من ذلك الرجل المعيَّن لمراقبة رجاء – وقد كان على رأسه كساء – إلا أن يرفع الكساء من على رأسه ويقول : (ولا أمير المؤمنين ؟) ، فعجب من كان حاضراً المجلس من هذا الرجل ومن مقولته ، فقال له رجاء : ( وما ذِكْرُ أمير المؤمنين هنا ؟! وإنما هو رجلٌ من الناس ) ، يريد أن يقول له : ما مقصدك من هذا السؤال ؟! وما علاقة الخليفة بما نتذاكره ونتدارسه ؟! وعلامَ إقحام ذكره في المجلس ؟! ، ومكث ذلك الرجل برهةً حتى يغفل الناس عنه ثم خرج ، فالتفت رجاء نحوه فلم يره ، فقال : ( أُتيتُم من صاحب الكساء ، فإن دُعيتم فاستُحلفتُم فاحلفوا ) ، علم رحمه الله أن ذلك الرجل ذهب ليرفع تقريراً إلى الخليفة يتهمه فيه بانتقاص الخليفة والإساءة إليه !
وبينما هم جلوسٌ إذ جاء أحد حرس الخلافة إلى رجاء ؛ ليبلغه بأن الخليفة قد أمر بإحضاره ، وأن عليه مرافقته إلى مجلس الخليفة ، فذهب رجاء مع الحارس إلى الخليفة هشام بن عبدالملك ودخل عليه ، فقال له هشام : ( هيه يا رجاء ، يُذكر أمير المؤمنين فلا تحتجُّ له ؟! ) ، فسأله رجاء : (وما ذاك يا أمير المؤمنين ؟)، فذكر له هشام ما حدث في المجلس ، فقال رجاء : ( لم يكن ذلك ) ، فاستغرب هشام من إنكار رجاء والتقرير المرفوع إليه يُثبت خلاف ذلك مع علم ويقين هشام بأن رجاء لا يمكن أن يكذب – وقد كان إنكاره رحمه الله لتهمة الانتقاص من شأن الخليفة والإساءة إليه - ، فاستحلفه وقال : ( آ الله ؟ ) قال : ( آ الله ) ، فما كان من هشام إلا أن يستشيط غضباً ، ويأمر بذلك الرجل الساعي أن يُضرب سبعين سوطاً ، يقول رجاء : ( فخرجت وهو متلوثٌ بدمه ) .
إنكار رجاء بن حيوة لما طرحه عليه الخليفة وعدم إقراره به أثار استغراب ذلك الرجل " المخابراتي " صاحب الكساء ، فقال لرجاء : ( هذا وأنت رجاء بن حيوة ! ) فقال له : ( سبعين سوطاً في ظهرك خيرٌ من دمِ مؤمن ) ، وكان رجاء بعد ذلك إذا جلس في مجلسٍ يتلفَّت ويقول : ( احذروا صاحب الكساء ) .

الاثنين، 8 مايو 2017

الوزير العادل والمستشار المؤتمن بقلم : أحمد العازمي

كان رحمه الله كبير المنزلة وعظيم الشأن عند عدد من خلفاء بني أمية كعبدالملك بن مروان ، وسليمان بن عبدالملك ، وعمر بن عبدالعزيز ، وقد أجرى الله تعالى على يديه – كما ذكر الإمام الذهبي في سيرته – الخيرات ؛ وذلك أنه كان من أولئك الوزراء المخلصين والمستشارين المؤتمنين الذين إذا نسي الخليفة ذكَّروه ، وإذا ذكر أعانوه ، وكان ينظر إلى الأمور نظر العالم البصير الذي يدرك العواقب والمآلات .
لم يكن قربه من الخلفاء من أجل حُطام الدنيا ومتاعها ، ولا لنيل المكاسب الشخصية الآنية ، وإنما كان لإحقاق الحق، ورفع المظالم ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، وبذل النصح ، والمشورة الصادقة .. فلا هو ذاك الوزير الذي يسعى لقضاء حوائجه ، ولا ذاك المستشار الذي يقدم أمره الخاص على أمر العامة .
لم تغلبه نفسه طوال خدمته مع الخلفاء في التعدي على بيت مال المسلمين ، ولا أخذ تلك الرشاوى التي  يقدمها من يقدمها من أجل ذكرهم عند الخلفاء ، ولم يُعلم عنه أنه استغلَّ منصبه مرةً من المرات في تقديم من لا يستحق وإعطائه ما لا يستحق ، وكيف يفعل ذلك من كانت المصلحة العليا للدولة ولعموم المسلمين هي همُّه وشغله الشاغل في ليله ونهاره ؟!
مشوراته كلها كانت فيما به مصلحة المسلمين ، ولم يكن كأولئك الوزراء والمستشارين الذين يقدمون المشورات بناءً على ما يُحب ويرغب الخليفة ، وإنما كانت الغاية والهدف أسمى من ذلك بكثير ، وليس ذلك بغريب عندما يوسد الأمر إلى أهله ، ويكون صاحب الكفاءة الأمين هو الوزير والمستشار .
ذاك الذي أتحدث عنه هو العالم الفقيه الثقة الإمام القدوة والوزير العادل والمستشار المؤتمن رجاء بن حيوة الذي كان يعلم علم اليقين أن الدنيا وما فيها من مناصب كلها زائلة ، وأن الدار الآخرة وما فيها هي الباقية ، فكيف يقدم العاقل ما هو زائل على ما هو باقٍ ؟!
كان رحمه الله يوماً عند الخليفة عبدالملك بن مروان ، وقد ذُكر عنده شخص بسوء ، فأخذ عبدالملك يهدد ويتوعد ويقول : ( واللـه لئن أمكنني اللـه منه لأفعلن به ولأصنعن ) ، فلما أمكنه اللـه منه همَّ بإيقاع الأذى به ومعاقبته ، فما كان من الوزير العادل والمستشار المؤتمن رجاء بن حيوة إلا أن يقوم ناصحاً ويقول: ( يا أمير المؤمنين قد صنع اللـه لك ما أحببت فاصنع ما يحب اللـه من العفو ) ، فوقعت تلك النصيحة الصادقة في قلب عبدالملك ، وما كان قراره إلا العفو عن ذلك الرجل والإحسان إليه .
وقد كانت من أعظم المشورات التي أشار بها رجاء بن حيوة رحمه الله على الخليفة سليمان بن عبدالملك رحمه الله قبل وفاته - وقد نفع الله بتلك المشورة الأمة أيما نفعٍ - هي مشورته عليه عندما مرض بتولية عمر بن عبدالعزيز خليفةً على المسلمين من بعده عندما سأله سليمان : من ترى لهذا الأمر ؟ فأجابه مذكراً له بالله تعالى : ( اتق الله ، فإنك قادمٌ على الله تعالى ، وسائلك عن هذا الأمر وما صنعت فيه ) ثم أشار عليه بتولية عمر بعد حوارٍ دار بينهما ، فما كان من الخليفة المقبل على ربه إلا أن يتذكر وقوفه أمام الله جل وعلا ، وسؤاله إياه عن هذه الأمة ، وعمَّن ولاها أمرها من بعده ، فيستجيب لتلك المشورة الصادقة ، ويولي من بعده عمر بن عبدالعزيز خليفةً على المسلمين ، وقد كانت تلك المشورة سبباً في إبعاد الوزير والمستشار رجاء بعد وفاة عمر بن عبدالعزيز ومعاداة العديد من أمراء بني أمية له .
خرج رجاء بن حيوة من الوزارة وخلع ثوب المستشار بعد وفاة الخليفة الراشد عمر بن عبدالعزيز رحمه الله، وتم إبعاده عن مواطن صنع القرار ، ولكنه لم يخرج إلا بسيرته الطيبة ، وأمانته المعهودة ، ومبادئه الراسخة، وعمله النبيل ، ومشوراته الصادقة ، وتاريخه الناصع ، فلم يشارك في قرارٍ جائرٍ تُظلم فيه الرعية، ولا في مشورةٍ يكون بها إعطاء من لا يستحق ما لا يستحق ، وكان مثالاً للوزير العادل الصادق الأمين الذي يُفتخر بذكره وبيان مناقبه وفضائله ومآثره ، وحُقَّ لأمير السرايا مسلمة بن عبدالملك أن يقول: ( برجاء بن حيوة وبأمثاله نُنصر ) .

الخميس، 16 مارس 2017

آهٍ ثمَّ آه بقلم : أحمد العازمي

قبل ذهابي للدراسة بجامعة الكويت في مرحلة البكالوريوس نصحني أحد المشايخ الفضلاء في البحرين بقراءة أحد الكتب التي اهتمت ببيان آداب طلب العلم ، وذكر لي بأن مؤلف هذا الكتاب أحد الأساتذة الذين يدرِّسون بالجامعة ، وفعلاً حرصت على قراءة ذلك الكتاب من أوله إلى آخره ، وقد استفدت كثيراً من تلك الآداب التي ذكرها المؤلف في طلب العلم حيث أن كثيراً منها عبارة عن نقولات عن السلف الصالح في ذلك.
وعندما ذهبت للدراسة بالكويت حرصت على رؤية ذلك المؤلف ، وسألت عنه بالكلية ، وأرشدني أحد الأساتذة إلى مكان مكتبه ، فأسرعت الخطى، وكلي شوق لرؤيته ، والسلام عليه ، فوصلت إلى باب مكتبه ، وكان ذلك في الساعة الثامنة إلا ربع صباحاً تقريباً ، فطرقت الباب ، وألقيت عليه التحية تحية الإسلام فقلت : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وإذ بي أفاجأ بذلك الأستاذ يصرخ بوجهي دون حتى أن يرد عليَّ السلام قائلاً : نعم ، ماذا تريد؟ والله عندي محاضرة بعد قليل ؟ يا أخي ماذا تريد ؟ بصوتٍ عالٍ جداً ، فوقفت عندها مذهولاً من ذلك الموقف ، وقد انعقد لساني ، فلم أستطع حتى أن أرد عليه بشيء ، فلما رآني كذلك خفف من نبرته ، ولكنه لم يخفف من جفوته وشدته ، فقال : نعم ماذا تريد ؟ قلت : لا شيء ، فقال : هل أنت طالب عندي ؟ قلت : لا، شكراً ، وخرجت .
وبعد عدة فصول اضطررت لأخذ أحد المقررات الدراسية عند ذلك الدكتور ، ولم أستفد في الحقيقة أي فائدة منه رغم حصولي على درجة الامتياز في المقرر ؛ وذلك أنه كان منشغلاً طوال المحاضرات في الكلام حول الأحزاب والجماعات ، وانتقاد فلان وعلان ، والحديث عن سفراته الخاصة ، ونزهاته البرية ، وما يأكله وما لا يأكله ! مضيِّعاً بذلك أوقات المحاضرة فيما لا فائدة منه ! ولا أقول ذلك مبالغة ، فمن أخذ معي من الإخوة ذلك المقرر يذكر ذلك جيداً .
لقد كان ذلك الموقف من أشد المواقف التي مرت عليَّ في مرحلة البكالوريوس ، وقد استمرَّ أثره في قلبي عدة أيام، والسبب أن من كنت في شوقٍ إلى لقائه بعد قراءتي لكتابه قد خالف أهم المبادئ التي أخذ بالتأصيل لها والتأكيد عليها في مؤلَّفِهِ الذي يتحدث فيه عما يجب وينبغي أن يكون عليه طالب العلم من الأخلاق الفاضلة ، فأين هي تلك الأصول والمبادئ والأخلاق التي ذكرها فضيلة الدكتور ؟!
ومع مرور الأيام والشهور والسنوات صدمت أكثر بالواقع الذي نعيشه ؛ فقد رأيت العديد من أولئك الذين يؤصلون للمبادئ والقيم هم أول من يخالفها في ممارساتهم العملية في الحياة ، منتهى التناقض بين أقوالهم وأفعالهم ، تراه يحدث عن الصدق وهو أكذب الكاذبين ، يذكر أن من صفات المنافقين إخلاف الوعد وهو لا يلتزم بأي وعدٍ يقطعه على نفسه تجاه الآخرين ، يتحدث عن خشية الله ومخافة الله وهو أول من ينتهك محارم الله ، يأمر بالعدل ولا يأتيه ، وينهى عن الظلم ويقع فيه ، يدعو إلى الأمانة ولا يقوم بها ، ويحذر من الخيانة وهو رأسٌ بين أصحابها ، يحث الناس على أداء الحقوق إلى أصحابها وهو أول من يمنعها ويجحد الآخرين حقوقهم ، ينبِّه بحق المسلم على أخيه المسلم وهو ينتهك تلك الحقوق في كل يوم بل في كل ساعة بل في كل لحظة ، يخاطب الناس آمراً لهم بالوحدة والاجتماع ونبذ الفرقة والاختلاف وهو من يعمل ليل نهار في تفكيك وحدة الأمة واجتماع كلمتها وبث روح الكراهية والعداوة والبغضاء بين أبناء المسلمين !
آهٍ ثم آه ، واقعٌ مريرٌ نعيشه يحتاج منا إلى إعادة محاسبة أنفسنا ، حتى نكون على قدرٍ من المسؤولية تجاه ديننا الإسلامي ، فإن هذا الدين لا يمكن أن ينتشر ولا أن يقوى بأمثال أولئك الذين تكون أقوالهم في وادٍ وأفعالهم في وادٍ آخر ، إن هذا الدين يحتاج إلى رجال صادقين مع الله قبل أن يكونوا صادقين مع الناس ، وذلك أن صدقهم مع الله جل وعلا سيقودهم حتماً إلى الصدق مع الناس { منَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً } .
لا نحتاج اليوم إلى الساعات الطوال التي نقضيها في التأليف والتنظير ، وإنما نحتاج إلى الدقائق والثواني البسيطة التي نترجم فيها ما ننظر له ونتحدث به في المجالس والخطب والدروس والمحاضرات إلى واقعٍ عملي يتفيَّأ الناس ظلاله ، فإن ذلك والله أبلغ بكثير من كل تلك الخطب والدروس والمحاضرات ، إننا اليوم بأمس الحاجة إلى ذلك المسلم الحقيقي الذي يطبق تعاليم دينه في حياته اليومية ، فمجرد معرفة تعاليم الدين لا تكفي بل إنها تكون حجة على صاحبها يوم القيامة لا سيما إن كان من أهل العلم وطلبته .
وعيدٌ شديد ذكره النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه لمن كانت أفعالهم مناقضةً لأقوالهم حيث يقول عليه الصلاة والسلام : ( يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار ، فتندلق أقتابُ بطنه ، فيدور بها كما يدور الحمار بالرَّحى ، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون : يا فلان ما لكَ ؟! ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ؟! فيقول : بلى ، قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه ، وأنهى عن المنكر وآتيه ) .
إن مثل هذه الإشكالية التي باتت اليوم تزداد بشكلٍ ملاحظ ليست مسألةً فرعيةً ثانوية بل هي مسألةٌ منهجيةٌ أساسية تستلزم علينا جميعاً السعي لمعالجتها بالتربية الإسلامية الأصيلة لأنفسنا وأبنائنا ، المبنية على العلم والعمل ، ندعو إلى الصدق لا بد أن نكون صادقين ، نحذر من الظلم فنكون أبعد الناس عنه ، نأمر بالمعروف ونأتيه ، وننهى عن المنكر فنكون أول المجتنبين له ، وهكذا ، فلا بد أن تصدق أفعالنا أقوالنا وإلا كنا من أولئك الذين ذمهم الله في كتابه الكريم بقوله: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ }.

الاثنين، 18 يوليو 2016

ليلة الانتصار بقلم : أحمد العازمي



ليلة السبت العاشر من شوال لعام 1437ه الموافق 15/7/2016م كانت ليلةً عصيبة جداً لا أقول على تركيا فحسب وإنما على الأمة الإسلامية جمعاء ؛ وذلك أن محاولة الانقلاب العسكري التي باءت بفضل الله ورحمته بالفشل لم تكن تستهدف جماعةً ولا حزباً يحكم في تركيا كما قد يظن البعض وإنما كانت تستهدف ذلك المشروع الإسلامي الذي أتى به ذلك الحزب وتلك الجماعة .
منذ وصول التيار الإسلامي لسدة الحكم في تركيا عاصمة الخلافة العثمانية سابقاً والبلد يعيش في عهدٍ جديد يعود بالإسلام وتعاليمه وتشريعاته في حياة الناس بعد عهدٍ من الظلم والاضطهاد والتضييق على الناس في دينهم ودنياهم ، وقد رأى الشعب التركي العظيم المثقف المتعلم كيف تغيرت أحوالهم وازدهرت بلادهم في عهد التيار الإسلامي ، وكيف أصبحت تركيا بلاداً ذات قرارٍ وشأنٍ عظيمٍ بين دول المنطقة ، وكيف أسهمت إسهاماً بارزاً في مختلف القضايا الشائكة ، وكيف باتت حريصةً على رعاية مصالح الأمة الإسلامية ، وما موقفها من القضية السورية ونصرتها للشعب السوري واستضافتها لإخواننا اللاجئين السوريين إلا واحدةٌ من فضائل تلك البلد التي عادت لحاضنة الأمة الإسلامية بعد سنواتٍ من القطيعة التي فرضها عليها أعداء هذه الأمة .
انتشرت حلقات تحفيظ القرآن الكريم في أرجاء تركيا ، وتمت عمارة المساجد والاهتمام بها ، وكثرت المدارس، وارتقت الجامعات حتى بات الطلاب يتوافدون إليها من مختلف البلدان ، ولا يخفى ما في حسن الرعاية والاهتمام بالتعليم من ارتقاءٍ بالإنسان وتنميةٍ للبلاد .
انتعشت الحياة الاقتصادية في عهد التيار الإسلامي الحاكم في تركيا انتعاشاً بارزاً ، وأصبحت تركيا بعد أن كادت تغرق في الديون الدولية دولةً دائنة ، والحركة التجارية فيها كبيرة ، ومنتجاتها تباع في الشرق والغرب ، والسياحة فيها نشطة ، والقدرة الشرائية فيها قوية .
إن كل تلك المكتسبات وغيرها هي ما جعلت الشعب التركي يهب للمحافظة على صوته الذي أدلى به واختار عن طريقه من يمثله ، فهو الذي ارتضى ذلك التيار أن يحكمه في البلاد عبر انتخاباتٍ حرةٍ ، وما حققه ذلك التيار من إنجازاتٍ يعتبر أمراً حسناً ومتقدماً بالنسبة إليه ، وبالتالي فهو متمسكٌ به ولا يريد التفريط ولا التضحية به عبر انقلابٍ عسكري يذيقهم سوء العذاب كما أذاقهم إياه من قبل .
حفظ الله الشعب التركي والأمة الإسلامية من تلك المحاولة الانقلابية على نظام الحكم في تركيا ، وحُقَّ لنا جميعاً أن نشكر الله تعالى على ما من به علينا ، فالفضل له سبحانه وحده ، والشكر له على نصرته وتوفيقه وتسديده { وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ } .
لم تكن تلك المحاولة الانقلابية بالأمر الهيّن ؛ إذ أن انعكاساتها ستعود فيما لو تم الأمر لا قدَّر الله بالسوء على الأمة وقضاياها ، ولذلك نحمد الله جل وعلا على إحباطه لتلك المؤامرة على الأمة الإسلامية { وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ } .
فرح جميع من ينتمي لهذه الأمة ومن كان قلبه معها بانتصار الشعب التركي وإرادته على تلك المحاولة الانقلابية وحُقَّ للأمة والله أن تفرح { قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ } .